خسرت واشنطن 45 طائرة ريبر… فباتت تبحث عن مسيّرة بعشرة ملايين دولار

خسر سلاح الجو الأميركي ما لا يقل عن 45 مسيّرة MQ-9 ريبر منذ انطلاق عملية «إيبك فيوري» في شباط/فبراير 2026. ويعادل هذا الرقم نحو ربع ما يملكه البنتاغون من طائرات ريبر، حتى إن كبار الضباط باتوا يصفون وتيرة الخسائر بأنها «مقلقة». أما الجواب فليس تحديثًا معتادًا لهيكل قائم: تريد واشنطن أن تستبدل بطائرة قد يبلغ ثمنها خمسين مليون دولار طائرةً أخرى سقفها عشرة ملايين دولار، معيارية البنية، تُنتَج بالجملة، وصُمّمت أصلًا على افتراض أنها ستُسقَط.

في لمحة
- ماذا حدث؟ أعلن سلاح الجو الأميركي تسريع برنامج استبدال المسيّرة MQ-9 ريبر.
- الخسائر: 45 طائرة على الأقل منذ عملية «إيبك فيوري» في شباط/فبراير 2026، أي نحو 25% من المخزون.
- البرنامج: «الطائرة المعيارية الجماعية» (MMA)، أُطلق في تموز/يوليو 2026 وتديره وحدة الابتكار الدفاعي (DIU).
- السعر المستهدف: نحو عشرة ملايين دولار للطائرة، مقابل خمسين مليونًا لريبر وعشرين مليونًا هدفًا لبرنامج CCA.
- العدد والتوقيت: عشرون طائرة جاهزة للمهام في السنة المالية 2031، و«180 على الأقل» إجمالًا، مع نموذج طائر خلال عام وانتشار واسع خلال ثلاثة أعوام.
- المواصفات: ثمانية آلاف ميل بحري انتشارًا ذاتيًا باتجاه واحد، ونصف قطر قتالي لا يقل عن 2300 ميل بحري بالحمولة، وحمولة استشعار وذخائر لا تقل عن 2800 رطل.
- من ينافس؟ «جنرال أتوميكس» بتصميم تسمّيه «وايلدفاير»، فيما تريد DIU منافسة متعددة المورّدين.
- القراءة الأوسع: تقترب واشنطن من فلسفة تصميم — الوفرة والكلفة المعقولة — تبنيها الصناعة التركية منذ سنوات.
المشكلة ليست في جودة ريبر بل في ثمنها
لا أحد في سلاح الجو الأميركي يزعم أن أداء MQ-9 ريبر قاصر. المشكلة حسابية بحتة: في جبهة تعمل فيها الدفاعات الجوية الحديثة فعليًا، لا يمكن لجيش أن يحتمل طويلًا فقدان طائرة يبلغ ثمن الواحدة منها خمسين مليون دولار. وخمس وأربعون طائرة، إذا حُسبت بثمن الهيكل وحده، تعني استنزافًا يُقاس بالمليارات.
ويضع الفريق أول كريستوفر نيمي، كبير مسؤولي التحديث في سلاح الجو، إصبعه على موضع العقدة تمامًا حين يقول: «لا شك لديّ في أننا إن حاولنا اتباع المقاربة نفسها التي اتبعناها مع أشياء مثل MQ-9، فسينتهي بنا الأمر إلى شيء تبلغ كلفته تقريبًا كلفة MQ-9 نفسها». وهي أشهر مراجعة ذاتية في عالم التسليح: المواصفات المرتفعة تُنتج سعرًا مرتفعًا، والسعر المرتفع يجعل المنصة أثمن من أن يُخاطَر بها.
ولا يواري المسؤول نفسه مصدر الاستعجال: «لهذا نريد تقديم هذا المشروع، لأننا رغم امتلاكنا اليوم عددًا وافرًا من طائرات MQ-9A، فإننا نستهلكها بوتيرة تثير قلقنا». هنا بيت القصيد: المخزون ليس فارغًا، لكن سرعة الاستهلاك هي المعضلة.
أين ذهبت خمس وأربعون طائرة؟
يعود الجانب الأكبر من الخسائر إلى طلعات نُفّذت ضمن عملية «إيبك فيوري» التي انطلقت في شباط/فبراير 2026. فطائرة ريبر بطيئة بحكم تصميمها، تحوم ساعات طوالًا على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة. وفي أجواء مأمونة يمنح هذا النمط قدرة استخبارية ومراقبة واستطلاعًا وضربات دقيقة لا تُعوَّض؛ أما أمام دفاعات جوية قصيرة ومتوسطة المدى تعمل بكفاءة، فإن النمط ذاته يحوّل الطائرة إلى هدف.

وتكشف أرقام المخزون التي تناقلتها الصحافة الأميركية حجم التآكل: بدأ سلاح الجو السنة المالية 2025 بـ231 طائرة MQ-9A، وبدأ السنة المالية 2026 بـ165 طائرة. وليس هذا الانخفاض كله خسائر قتالية — فقرارات الإحالة إلى التقاعد والاستغناء جزء منه — غير أن اتجاه المسار واحد لا يتبدّل.
أما الشركة الصانعة «جنرال أتوميكس» فتدافع عن منتجها. يقول المتحدث باسمها سي. مارك برينكلي: «إن المزيج الفريد الذي تجمعه ريبر من قدرة التحليق الطويل والحمولة والمدى وأجهزة الاستشعار والأسلحة والاتصالية والقابلية للتكيّف والموثوقية هو بالضبط ما يتيح آثارًا قتالية يصعب على غيرها تكرارها». وهو قول يصعب الاعتراض عليه تقنيًا. لكن النقاش لم يدر يومًا حول ما تستطيع ريبر فعله، بل حول كلفة ما تفعله.
MMA: تصميم يقبل سلفًا أن يُفقَد
يحمل البرنامج الذي أُطلق في تموز/يوليو 2026 اسم الطائرة المعيارية الجماعية، وتديره وحدة الابتكار الدفاعي، وهي بوابة البنتاغون إلى التقنيات التجارية. وفي هذا الاختيار وحده رسالة: بدلًا من دورة المقاول الرئيس المعتادة، يُراد مسار تعاقدي أسرع يتّسع لعدد أكبر من المورّدين.
والقطيعة المفهومية مع الأجيال السابقة حادّة. فبدل الاتكاء على عدد قليل من الطائرات الباهظة العالية القيمة، يُدرِج البرنامج افتراض وقوع الخسائر في نزاع عالي الحدّة داخل التصميم نفسه. أي أن الطائرة يجب أن تكون رخيصة بما يكفي وسهلة التعويض بما يكفي، حتى لا يُسقِط فقدانُ واحدةٍ منها خطةَ العمليات.
عتبة العشرة ملايين
أكثر أرقام البرنامج إثارة للجدل هو سقف كلفة الوحدة: نحو عشرة ملايين دولار للطائرة. ويشرح الرقم نفسه حين يوضع بين جيرانه: خُمس ثمن MQ-9 ريبر التي قد تبلغ خمسين مليونًا بحسب حمولتها، ونصف الهدف المتداوَل البالغ عشرين مليونًا لبرنامج «طائرة القتال التعاونية» (CCA)، وهو مشروع «الجناح الوفي» الأميركي.
المواصفات: ثمانية آلاف ميل بحري و2800 رطل
حين تُقرأ القدرات المطلوبة إلى جانب السعر المستهدف، تتّضح صعوبة المعادلة. تبحث وحدة الابتكار الدفاعي عن طائرة تحمل 2800 رطل على الأقل من الذخائر وأجهزة الاستشعار، ولها نصف قطر قتالي لا يقل عن 2300 ميل بحري بالحمولة ومن دون تزوّد بالوقود، وقادرة عند الحاجة على نشر ذاتي باتجاه واحد لا يقل عن ثمانية آلاف ميل بحري.
ويفضح هذا الشرط الأخير جغرافيا البرنامج: فطائرة تعبر من قارة إلى أخرى بلا دعم صهاريج التزوّد إنما تُصمَّم لمسافات المحيط الهادئ. والوصف الناتج — طائرة بمحرك توربيني مروحي وأجنحة طويلة عالية النسبة الباسطية — يؤكد الأولوية: الكفاءة والمدى لا السرعة.
ليست طائرة بل بنية معمارية
العنصر الثاني الذي يفصل MMA عن شراء طائرات تقليدي هو أسلوب التعاقد ذاته. سيُطوَّر البرنامج على دفعات متعاقبة، وباستخدام بنى مرجعية تحددها الحكومة للعتاد والبرمجيات. والنتيجة العملية أن تصاميم متعددة لشركات متعددة قد تكون في الإنتاج في آن واحد، لكنها تُدار جميعًا من واجهة تشغيل مشتركة.
وهذا ردّ مباشر على ما يُعرف بـ«الارتهان للمورّد». فحين تحتفظ الحكومة بمعيار الواجهة، لا يبقى لشركة واحدة احتكار السعر والجدول الزمني. وقد ساق الجيش الأميركي الحجة نفسها في الميدان البري عبر بنية القيادة والسيطرة من الجيل القادم.
مقعد المشغّل يتغيّر أيضًا
أقلّ عناصر البرنامج تداولًا، وربما أعمقها أثرًا على المدى البعيد، يكمن في العلاقة بين الإنسان والآلة. يريد سلاح الجو أن يدير مشغّل واحد عدة طائرات في وقت واحد. ولبلوغ ذلك يبتعد منطق التحكّم عن أدوات الطيران التقليدية: يصف المسؤولون مشغّلًا يقود الطائرة بـ«نقرات الفأرة ولوحة المفاتيح بدل عصا التحكّم وذراع الوقود».
تختصر هذه العبارة تحوّل المهنة من قيادة طائرة إلى إدارة مهمة. فالطائرة تتولى المسار والارتفاع والمناورات الأساسية، بينما يتخذ الإنسان قرارات المهمة وحدها. وهذا المستوى من الأتمتة شرط مسبق لتشغيل أسطول من 180 طائرة بعدد معقول من الأطقم.

«جنرال أتوميكس» و«وايلدفاير» التي لم تُرَ بعد
تنافس الشركة الصانعة لريبر على البرنامج الذي سيحلّ محل منتجها. تعرض «جنرال أتوميكس» تصميم وايلدفاير، وهو منظومة من الجيل الجديد للتحليق الطويل على ارتفاع متوسط، تصفها بأنها في فئة ريبر نفسها. واللافت أن الشركة رفضت حتى اليوم نشر صورة واحدة للتصميم.
وتنافس «جنرال أتوميكس» في الوقت ذاته على برنامج CCA إلى جانب «أندوريل»، ما يضعها في مسارَي «الجناح الوفي» و«الطائرة المعيارية الجماعية» معًا. وبالنظر إلى تفضيل DIU منافسةً متعددة المورّدين، يبدو مستبعدًا أن يُسلَّم البرنامج إلى اسم واحد.
الجدول الزمني: نموذج في عام وانتشار في ثلاثة
الجدول المعلن طَموح: نموذج طائر خلال عام، وانتشار واسع خلال ثلاثة أعوام. أما المحطة الرسمية فهي عشرون طائرة جاهزة للمهام في السنة المالية 2031، مع هدف شرائي إجمالي يوصف بأنه «180 على الأقل».
ويبقى مدى واقعية هذا الجدول السؤال المركزي. فتحليق نموذج خلال عام وتيرة استثنائية في عالم التسليح، ويُراد بلوغها مع الحفاظ على سقف العشرة ملايين. والرهان معقود على أن أساليب الإنتاج التجارية والبنية المعيارية قادرة على تلبية القيدين معًا.
مقارنة: ريبر وMMA وCCA
| المعيار | MQ-9A ريبر (الحالية) | MMA (الهدف) | CCA (الهدف) |
|---|---|---|---|
| كلفة الوحدة | حتى 50 مليون دولار بحسب الحمولة | نحو 10 ملايين دولار | نحو 20 مليون دولار |
| الدور | استخبارات ومراقبة واستطلاع وضربات دقيقة | مسيّرة معيارية جماعية متعددة الأدوار | «جناح وفي» يرافق طائرة مأهولة |
| الدفع | توربيني مروحي | توربيني مروحي بجناح طويل | نفاث |
| الحمولة | نحو 1700 كغم | 2800 رطل على الأقل (~1270 كغم) | غير معلنة |
| نصف القطر القتالي | مرتبط بالتزوّد الجوي | 2300 ميل بحري على الأقل بالحمولة | مرتبط بالطائرة المرافَقة |
| المدى باتجاه واحد | نشر ذاتي محدود | 8000 ميل بحري على الأقل | متغيّر |
| احتمال الخسارة | منخفض (أصل عالي القيمة) | مرتفع (الخسارة مفترضة في التصميم) | متوسط |
| حالة البرنامج | في الخدمة ويُستهلك | أُطلق في تموز 2026، هدفه 2031 | مرحلة النموذج |
ما هي MQ-9 ريبر؟ تشريح منصّة عمرها عشرون عامًا
ظهرت MQ-9 ريبر، التي طوّرتها «جنرال أتوميكس إيروناتيكال سيستمز»، خلَفًا مكبَّرًا ومسلَّحًا لطائرة MQ-1 بريداتور الشهيرة في تسعينيات القرن الماضي. فبينما كانت بريداتور منصّة مراقبة في الأساس، صُمِّمت ريبر منذ البداية لدور «الصياد القاتل»: محرك توربيني مروحي أقوى، وحمولة أكبر بكثير، وقدرة على حمل ذخائر أثقل.
دخلت الخدمة في سلاح الجو الأميركي عام 2007، وسرعان ما غدت من أكثر المنصات استخدامًا في القوة الجوية الأميركية. ويتجاوز زمن تحليقها أربع عشرة ساعة تبعًا للتهيئة، وتُجهَّز بأبراج استشعار كهروبصرية وحرارية، ورادار ذي فتحة اصطناعية، وحمولات استخبارات إشارات. أما تسليحًا فتحمل صواريخ AGM-114 هيلفاير وقنابل موجّهة من طرازَي GBU-12 بيفواي 2 وGBU-38 جيدام.
وتفرّعت العائلة مع الوقت. فطراز «سي غارديان» المخصّص للمراقبة البحرية، وطراز MQ-9B «سكاي غارديان» المبني حول اعتماد التحليق في المجال الجوي المدني، أطالا عمر المنصّة في سوق التصدير. وخارج الولايات المتحدة، أدخلت بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وهولندا واليابان والهند وبلجيكا نسخًا منها إلى الخدمة أو تعاقدت عليها.
ويمتدّ سجلّها العملياتي من أفغانستان والعراق وسوريا إلى ليبيا والصومال واليمن. والقاسم المشترك بين هذه المسارح أن التفوق الجوي كان فيها بيد الولايات المتحدة وشركائها إلى حدّ بعيد. وهذا بالضبط هو الشرط الذي لم يعد برنامج MMA يفترض توافره.
قراءة من أنقرة
الخلاصة التي بلغتها واشنطن — الوفرة والكلفة المعقولة بدل القلّة والتطوّر الباهظ — تتقاطع على نحو لافت مع النهج الذي تسير عليه الصناعة التركية منذ سنوات. فصدى «بيرقدار TB2» عالميًا لم يقم يومًا على تفوّق مستشعرها أو ذخيرتها على كل منافس، بل على تحقيقها أثرًا قتاليًا ذا معنى بسعر في المتناول. كانت جاذبيتها، بدقة، اقتصادَ القابلية للاستهلاك.

غير أن الخلط بين المقاييس والغايات في غير محله. فاشتراط MMA نشرًا ذاتيًا لثمانية آلاف ميل بحري نابع من بنية قوة تعمل عبر مسافات عابرة للقارات في المحيط الهادئ. أما جغرافيا تركيا العملياتية فيحدّها نصف قطر مختلف تمامًا، ما يجعل المقارنة المباشرة بين البرنامجين مضلِّلة. القابل للمقارنة هو فلسفة التصميم لا المنصّات.
ومحفظة تركيا نفسها متعددة الطبقات أصلًا: «أنكا» من TUSAŞ تغطي مهمة الاستخبارات والمراقبة والضربة على الارتفاع المتوسط، و«أقنجي» من بيرقدار ترتقي إلى حمولات أثقل وارتفاعات أعلى، و«أنكا-3» تسعى إلى تقليص المقطع الراداري ببنية بلا ذيل، فيما تقف «قزل إلما» أقرب مفهوميًا إلى ما تسعى إليه واشنطن في برنامج CCA. أي أن التوتر بين «الرخيص والكثير» و«المتطور والقليل» يُدار بعائلة من المنصات لا بطائرة واحدة.

والدرس القابل للنقل هنا يتصل بالحوكمة أكثر مما يتصل بالتقنية. فما تحاوله الولايات المتحدة في MMA ليس تخفيض ثمن الطائرة فحسب، بل إبقاء معيار الواجهة في يد الدولة مع فتح الهيكل أمام المنافسة. وتيرة الإنتاج وميزة الكلفة متوافرتان في تركيا فعلًا؛ أما العتبة التالية فهي تشغيل منصات من صنّاع مختلفين عبر طبقة إدارة مهام مشتركة: مشغّل واحد، وواجهة واحدة، وطائرات متعددة من موردين متعددين. هذا هو الجزء الجدير بالاستيراد من هذا النقاش.
وملاحظة أخيرة: ما تواجهه «جنرال أتوميكس» اليوم مأزق قد يواجهه أي صانع. فجعل منصّة ما أكثر قدرة باستمرار يجعلها أكثر كلفة باستمرار، وبعد عتبة معينة يصير المنتج ضحية نجاحه. والصناعات القادرة على توزيع عائلة منتجاتها على درجات سعرية متعددة تقع في هذا الفخ أقلّ من غيرها.
المصادر
- بريكينغ ديفنس — «بعد خسائر مقلقة، سلاح الجو يضغط لتسريع استبدال ريبر»، مايكل مارو، 3 أيلول/سبتمبر 2026
- مجلة «إير آند سبيس فورسز» — تغطية تصميم «وايلدفاير» وبرنامج MMA
- ديفنس سكوب — بلورة مفهوم بديل MQ-9، تموز/يوليو 2026
- ذا وور زون (TWZ) — تقييم «وايلدفاير» بوصفها خليفة ريبر
- جنرال أتوميكس إيروناتيكال سيستمز — معلومات منتج MQ-9A/MQ-9B
- سلاح الجو الأميركي — النشرة التعريفية لطائرة MQ-9 ريبر

