اليابان تسعى إلى صاروخ يُسكت رادارات السفن الحربية لا بطاريات البر

أدرجت قوات الدفاع الذاتي الجوية اليابانية الصاروخ الأمريكي AGM-88G AARGM-ER في طلب موازنتها للسنة المالية 2027. واللافت في الأمر ليس الصاروخ في ذاته، بل الوجهة التي يُراد له أن يقصدها. فهذا الصنف من الأسلحة ظل طوال عقود يطارد بطاريات الدفاع الجوي البرية، أما طوكيو فتريد توجيهه إلى السفن. وقد صرّح رئيس أركان القوات الجوية الفريق تاكيهيرو موريتا في مؤتمر صحفي يوم الأول من سبتمبر بأن الغاية هي إضعاف “قدرات الدفاع الجوي لدى السفن الحربية المعادية”.
في لمحة
- ماذا: طلب شراء صاروخ AGM-88G AARGM-ER من إنتاج نورثروب غرومان (صاروخ موجَّه متقدم مضاد للإشعاع – مدى ممتد)
- مَن: وزارة الدفاع اليابانية / قوات الدفاع الذاتي الجوية
- متى: طلب موازنة 2027 الصادر في 31 أغسطس 2026، وتفاصيله في الأول من سبتمبر
- كم التكلفة: لا رقم – قُدّم ضمن نحو 160 بندًا غير مُسعَّر
- حجم الموازنة: 8,9 تريليون ين (نحو 55,5 مليار دولار)، ويُتوقع تجاوز عتبة العشرة تريليونات لأول مرة
- المنصات: إف-35 إيه وإف-35 بي
- لماذا يهم: نقل عقيدة إخماد الدفاعات الجوية من البر إلى البحر يفتح طورًا جديدًا في الحرب ضد السفن

بندٌ بلا سعر
أعلنت وزارة الدفاع اليابانية في 31 أغسطس 2026 طلب موازنة قياسيًا للسنة المالية 2027 بلغ 8,9 تريليون ين (نحو 55,5 مليار دولار)، وهو الارتفاع الخامس عشر على التوالي والرقم القياسي الثالث عشر تباعًا. غير أنّ هذا الرقم ليس الصورة النهائية؛ فقد قُدّم نحو 160 بندًا بلا تسعير، وفق أسلوب معهود في الموازنة اليابانية يُلجأ إليه حين لا تكون ملامح الصفقة قد استقرت بعد. والسبب إجرائي: تعتزم الحكومة إعادة صياغة الوثائق الأمنية الثلاث الكبرى قبل نهاية العام، ويُنتظر أن تتحدد الأرقام بعد تلك المراجعة. ويرجّح المراقبون أن تتخطى الموازنة النهائية عتبة العشرة تريليونات ين لأول مرة في تاريخ البلاد.
وصاروخ AARGM-ER واحد من تلك البنود غير المسعَّرة. فلم تُفصح طوكيو عن العدد الذي تريده، ولا عن الثمن الذي تتوقع دفعه، ولا عن موعد بدء التسليم. ومع ذلك يظل الطلب ذا دلالة، لأنه يكشف عن نية، ولأن دخول هذا السلاح الخدمة يعني ولوج القوات الجوية اليابانية ميدانًا لم تمتلكه من قبل.
وأكد الفريق تاكيهيرو موريتا في الأول من سبتمبر أن الصاروخ سيُدمج في مقاتلات إف-35 إيه وإف-35 بي، ووصفه بأنه وسيلة تسهم في “التنفيذ الفعّال للهجمات المضادة للسفن”، لكنه امتنع عن مناقشة السيناريوهات العملياتية لأسباب أمنية. وجريًا على العادة اليابانية، لا تسمّي اللغة الرسمية خصمًا بعينه، بل تكتفي بعبارات عامة من قبيل “السفن المعادية”.
ما معنى إخماد الدفاع الجوي لسفينة؟
ظلت مهمة إخماد الدفاعات الجوية المعادية، المعروفة اختصارًا بـ SEAD، انضباطًا بريًا طوال نصف قرن. ومنطقها بسيط بديع: لا يستطيع نظام أرض-جو أن يطلق نيرانه ما لم يشغّل رادارَه، وما إن يبثّ حتى يفضح موقعه. فيركب الصاروخ المضاد للإشعاع ذلك البثّ ويهبط على مصدره. والنتيجة إما تدمير الرادار أو – وهو أمر لا يقل نفعًا – إطفاؤه خشية الإصابة. وهذا الاحتمال الثاني هو ما يُسمى “الإخماد”؛ فالرادار المطفأ بطارية عمياء.
وما تريده اليابان هو نقل هذا المنطق إلى البحر. فالمدمرة الحديثة في جوهرها بطارية دفاع جوي عائمة: رادار مصفوفي قوي، وصواريخ اعتراضية بعيدة المدى، وعشرات خلايا الإطلاق العمودي التي تبسط مظلة واقية على كل ما حولها. وإطلاق صواريخ مضادة للسفن مباشرةً في وجه تلك المظلة أمر باهظ، إذ يسقط الدفاع المُحكم نسبة معتبرة من الرشقة.
والفكرة المطروحة هي الآتي: يتقدم AARGM-ER في الموجة الأولى فيتعقب بثّ رادار السفينة. فإن أبقت السفينة رادارها عاملًا خاطرت بالإصابة، وإن أطفأته عميت عن الصواريخ المضادة للسفن القادمة خلفه. وكلا الخيارين في مصلحة المهاجم. وقد ظلت القوات الجوية تفرض هذه المعضلة على الدفاعات البرية عقودًا؛ أما الجديد فهو تطبيقها المنهجي في البحر.
وليست المسألة نظرية محضة. ففي 30 نوفمبر 2022 نجح الصاروخ في تجربة إطلاق حي ضد هدف بحري متحرك، بما يثبت قدرته على العثور على منصة مبحرة باثّة للإشعاع وإصابتها.

AARGM-ER: وريث عائلة HARM بمحرك تضاغطي
الصاروخ AGM-88G أحدث أفراد عائلة AGM-88 HARM (الصاروخ عالي السرعة المضاد للإشعاع) التي دخلت الخدمة منذ الحرب الباردة. وتنتجه شركة نورثروب غرومان، وقد ورث قسم التوجيه والرأس الحربي عن سلفه AGM-88E، في حين استُبدل هيكله ومنظومة دفعه استبدالًا كاملًا. والتغيير الحاسم في المحرك: محرك صاروخي-تضاغطي متكامل بالوقود الصلب بدلًا من الصاروخ التقليدي.
والمحرك التضاغطي يضغط الهواء الداخل بفعل سرعته الأمامية ثم يحرقه، ولا يحمل مؤكسده معه كما تفعل الصواريخ. ولذلك يستطيع، عند الوزن نفسه، أن يديم الدفع مدة أطول بكثير. والنتيجة العملية مضاعفة المدى تقريبًا: فبينما يُنسب إلى AGM-88E مدى يناهز 80 كيلومترًا، يتجاوز AARGM-ER ذلك بفارق ملموس. ويبلغ طول الصاروخ ما يزيد قليلًا على أربعة أمتار، ووزنه نحو 467 كيلوغرامًا، وسرعته تتخطى ماخ 2.
أما الباحث فقد صُمم عن عمد ألا يعتمد على حاسة واحدة. إذ يجمع بين مستشعر توجيه رقمي متقدم مضاد للإشعاع، وباحث طرفي بالموجات المليمترية، وتوجيه بنظام تحديد المواقع والملاحة بالقصور الذاتي. وهذا المزيج هو الرد على أقدم حيلة مضادة في هذا الميدان: فإذا أطفأ الرادار المستهدف بثّه في اللحظة الأخيرة، واصل الصاروخ سيره إلى آخر موقع معلوم ثم أعاد التقاط الهدف بباحثه الطرفي. ويكتمل النظام بوصلة بيانات شبكية وإرسال لتقييم أثر الإصابة، فيبلّغ الصاروخ عمّا أصابه.
والسلاح معتمد على مقاتلات إف/إيه-18 إي/إف سوبر هورنت وطائرات الحرب الإلكترونية إي إيه-18 جي غراولر، إضافة إلى إف-16 وعائلة إف-35. أما مسار اليابان فيمر عبر إف-35 إيه وإف-35 بي.
لماذا إف-35 تحديدًا؟
في مهمة مكافحة الإشعاع، لا تقل قابلية الطائرة المطلِقة للنجاة أهميةً عن مدى الصاروخ. فمنصات الإخماد التقليدية تقبل بالانكشاف وهي تقترب من الهدف، ولهذا تُسند المهمة في البحرية الأمريكية إلى طائرات هجوم إلكتروني متخصصة. أما إف-35 فتغيّر المعادلة: مقطعها الراداري المنخفض يتيح لها التوغل أعمق قبل أن تُكتشف، ومنظومة الدعم الإلكتروني على متنها تُنصت إلى بثّ الخصم وتصنّفه سلبيًا في أثناء الاقتراب.
وتضيف طائرات إف-35 بي اليابانية خيارًا ثانيًا. فقدرتها على الإقلاع القصير والهبوط العمودي تتيح تشغيلها من سفن فئة إيزومو المحوَّلة ومن مدارج جزرية ضيقة، وهو أمر نافع في الدفاع عن سلسلة الجزر الممتدة جنوب غرب الأرخبيل، ونافع كذلك في مقاربة مجموعة سطحية معادية من اتجاه غير متوقع.
على أن ثمة مأخذًا. فبطول يتجاوز أربعة أمتار، لا يتسع مخزن السلاح الداخلي في إف-35 لصاروخ AARGM-ER، ويُرجَّح حمله على حوامل خارجية، وهو ما يعيد جزءًا من ميزة التخفي التي جعلت الاقتران جذابًا في الأصل. وهذه مقايضة مألوفة لدى كل سلاح جو يزاوج بين أسلحة بعيدة المدى ومقاتلات الجيل الخامس: كلما امتد المدى كبر الصاروخ، وكلما كبر الصاروخ عصي على الدخول.

المواصفات الفنية
| الخاصية | القيمة |
| التسمية | AGM-88G AARGM-ER |
| المنتج | نورثروب غرومان (الولايات المتحدة) |
| الفئة | صاروخ أسرع من الصوت مضاد للإشعاع |
| الطول | نحو 4,05 متر |
| الوزن | نحو 467 كيلوغرامًا |
| السرعة | تتجاوز ماخ 2 |
| الدفع | محرك صاروخي-تضاغطي متكامل بالوقود الصلب |
| المدى | نحو ضعف مدى AGM-88E البالغ 80 كم |
| التوجيه | توجيه رقمي مضاد للإشعاع + باحث طرفي بالموجات المليمترية + GPS/INS |
| قدرات إضافية | وصلة شبكية وتقييم أثر الإصابة |
| المنصات | إف/إيه-18 إي/إف، إي إيه-18 جي، إف-16، إف-35 إيه/بي/سي |
| تجربة بحرية | 30 نوفمبر 2022 (هدف متحرك، ناجحة) |
واشنطن أوقفت الشراء وطوكيو تطلبه
التوقيت هو الجانب اللافت. فقد أعلنت البحرية الأمريكية في أبريل 2026 “توقفًا استراتيجيًا” في شراء AARGM-ER، ويُنتظر استئناف المشتريات في السنة المالية 2028. أي أن اليابان تطلب السلاح في النافذة التي توقف فيها زبونه المحلي عن الشراء.
وهذا أقل تناقضًا مما يبدو. فحالات التوقف تعكس عادةً إعادة ترتيب أولويات الموازنة، أو إعادة تهيئة خط الإنتاج، أو انتظار معيار إنتاج جديد – لا فشل السلاح. ومن العائلة نفسها يتقدم برنامج AGM-88J المعروف بسلاح الهجوم من الداخل، وقد صُمم بأبعاد تسمح بحمله داخل مخزن إف-35 الداخلي، وقراءة التوقف بوصفه جزءًا من هذا الانتقال قراءة وجيهة.
أما من زاوية طوكيو فالطلب المبكر تصرف حصيف. فملفات المبيعات العسكرية الأجنبية تسير ببطء، والتأخر في الالتحاق بالطابور قد يؤجل التسليم سنوات. ووضع البند في الموازنة الآن – ولو بلا سعر – حجزٌ للدور.
تراكم الضربة بعيدة المدى
لا يقف طلب AARGM-ER وحده، بل ينتمي إلى بنية الضربة بعيدة المدى التي تبنيها اليابان منذ سنوات. فطلب السنة المالية 2027 يميل بثقله نحو الذكاء الاصطناعي والمنظومات غير المأهولة، وفرقاطات من طراز FFM الجديد، وغواصات فئة تايغي، وطائرات مسيّرة طويلة التحليق، والحرب تحت سطح البحر.
وفي جانب الصواريخ تزداد الصورة وضوحًا. إذ تعتزم اليابان اقتناء ما يصل إلى 400 صاروخ توماهوك جوّال عبر المبيعات العسكرية الأجنبية. وعلى الخط المحلي يجري تطوير صاروخ من طراز 12 المضاد للسفن بمدى أطول بكثير وتنويعه ليُطلق من البطاريات البرية والسفن والطائرات.
ومجمل هذا التراكم تجسيد ملموس لتحول ظل يعتمل في الفكر الدفاعي الياباني سنوات طويلة. فبلد ظل زمنًا يتبنى بنية قوة قصيرة الذراع دفاعية بحتة صار اليوم يبني ترسانة غايتها إبعاد القوى المعادية عن سواحله. وAARGM-ER هو القطعة التي تفتح الباب: فلكي تعبر الصواريخ المضادة للسفن، لا بد أن يتزعزع الدفاع أولًا.

صاروخ مضاد للسفن مصوَّب نحو السماء
ثمة بند ثانٍ في الدورة ذاتها لا يقل إثارة للانتباه. فاليابان تعتزم منح صاروخها الأسرع من الصوت المضاد للسفن ASM-3 كاي قدرة جو-جو، وقد سمّت أهدافه: طائرات الإنذار المبكر والسيطرة، وطائرات التزود بالوقود جوًا.
وقد يبدو توجيه سلاح مضاد للسفن نحو طائرات ضخمة بطيئة المناورة أمرًا غريبًا، حتى يتبين أنه يشترك مع AARGM-ER في المنطق ذاته: بدلًا من منازلة المقاتلات، استهدف ما يُبقيها في المعركة. فسلاح جو يفقد طائرات إنذاره المبكر يفقد بصره مهما بلغت جودة مقاتلاته، ومن يفقد ناقلات وقوده يفقد مداه.
وبقراءة البندين معًا يتضح نهج متسق: بدل هزيمة قوة متفوقة عدديًا منصةً منصة، استهدف الجهاز العصبي الذي يجمعها – الرادارات والإنذار المبكر والوقود. وهو النهج المتوقع من قوة أصغر عددًا وأرفع نوعًا في مواجهة قوة أكبر.
فجوة يتقاسمها آخرون
ليست اليابان وحدها في مواجهة هذه المعضلة، ولا وحدها في افتقاد الحلقة الأولى من السلسلة. فكثير من الأساطيل المتوسطة استثمرت بسخاء في النصف الثاني من المعادلة – صواريخ مضادة للسفن مقتدرة – وتركت خطوة الإخماد للحلفاء أو لأسلحة من جيل سابق. وتركيا مثال دال: فقواتها الجوية تحمل صاروخ AGM-88 HARM على مقاتلات إف-16 منذ سنوات، ويمنحها صاروخ “أطمجة” من إنتاج روكتسان وعائلة “تشاكير” التي تُطلق من الغواصات ضربة محلية ضد السفن، غير أن الحلقة الغائبة تظل الصاروخ المضاد للإشعاع بعيد المدى المُطلق جوًا والمعتمد ضد الأهداف البحرية.
وقد لا يدوم هذا الحال طويلًا. فبرامج مثل “قآن” و”قزل إلما” تُطوَّر بالتوازي مع أسلحتها لا بعدها، بما يتيح تصميم أبعاد المخزن الداخلي حول الذخيرة منذ البداية – وهو القيد نفسه الذي أنتج برنامج AGM-88J في الولايات المتحدة. ويظل الفارق في الحجم وبيئة التهديد أكبر من أن يسمح بمقارنة مباشرة، لكن المسألة الهندسية واحدة في الحالتين.

ماذا بعد؟
يتوقف مصير الطلب على مراجعة الوثائق الأمنية الثلاث المقررة قبل نهاية العام. وعندها يُنتظر أن تظهر الكميات والجداول الزمنية، ثم تبدأ إجراءات الموافقة على المبيعات العسكرية الأجنبية في الجانب الأمريكي.
أما السؤال الأوسع فهو ما إذا كان إخماد الدفاع الجوي في البحر سيبقى فكرة يابانية أم ينتشر إلى غيرها. ومع تزايد طبقات الدفاع الصاروخي على متن السفن، يصعب أن يبقى نهجٌ يستهدف إعماء المدافع بدل إغراق مخازنه حبيسَ زاوية ضيقة طويلًا.
المصادر
- Naval News – “اليابان تسعى إلى AARGM-ER لإخماد الدفاعات الجوية للسفن المعادية” (3 سبتمبر 2026)
- Naval News – تقرير طلب الموازنة القياسي للسنة المالية 2027 (أغسطس 2026)
- USNI News – “اليابان تطلب 55,6 مليار دولار قياسية للمنظومات غير المأهولة والضربة بعيدة المدى” (1 سبتمبر 2026)
- نورثروب غرومان – بيانات برنامج AARGM-ER وتجارب الإطلاق
- Naval Technology – الملف الفني لصاروخ AGM-88G AARGM-ER
- وزارة الدفاع اليابانية – طلب موازنة السنة المالية 2027 (31 أغسطس 2026)

