الناتو يدخل “حرب الكلفة”: بنية مراقبة جوية جديدة لمواجهة المسيّرات الرخيصة قبل نهاية العام
ثمة عبارة خرجت من ساحات أوكرانيا وإيران أرّقت عواصم الناتو: “حرب الكلفة”. فإسقاط طائرة مسيّرة انتحارية كلفتها ألف دولار بصاروخ اعتراضي بمليون لا يستقيم رياضياً. ويُعدّ الحلف الآن بنية مراقبة جوية جديدة جواباً على ذلك.

في لمحة
- ما الحدث: خطة قدرة مراقبة جوية جديدة لقيادة التحوّل في الناتو (ACT)
- التهديد: مسيّرات منخفضة الارتفاع + صواريخ مجنحة (“حرب الكلفة”)
- الهدف: جاهزية الزيادة الأولى قبل نهاية 2026
- الدروس: أوكرانيا (حصار الشاهد) + جبهة إيران
- الإشكال البنيوي: اقتصاد AWACS/E-3 الكلاسيكي لم يعد قابلاً للتوسّع
- عناصر الحل: استشعار متعدد الطبقات + اعتراض رخيص + قيادة وسيطرة
تكلفة الطائرة الشاهد في أوكرانيا تتراوح بين 20 و50 ألف دولار؛ أما الصواريخ المستخدمة لإسقاطها من فئة IRIS-T أو باتريوت فتمتدّ من 500 ألف دولار إلى أربعة ملايين. الحساب قاسٍ وبسيط: مئات المسيّرات كل ليلة تستنزف مخزونات المدافع وميزانيته. أعاد الناتو تأطير هذه المعادلة باسم “حرب الكلفة”، ويستعدّ قيادة التحوّل في الحلف (ACT) لإصدار الزيادة الأولى من خطة قدرة مراقبة جوية جديدة قبل نهاية العام. والهدف ليس “زيادة طائرات الإنذار المبكر”، بل إعادة هندسة الشكل برمّته لرصد التهديدات منخفضة الارتفاع والمنخفضة المقطع الراداري — والرخيصة والسريعة — بكلفة مقبولة.
صُمّمت البنية القديمة حول طائرة E-3 Sentry: ارتفاع عالٍ، رادار دوّار، مدى طويل. كانت تلك الرادارات بمقاس تهديد القاذفات السوفيتية في الطبقات الجوية العليا. أما لوحة التهديد اليوم فمختلفة كلياً: أسراب شاهد/جيران الروسية تطمس سماء أوكرانيا، وإيران ضربت بصواريخها الباليستية والمجنحة منشآت الخليج، وعبرت طائرة روسية مسيّرة فوق البحر الأسود إلى أجواء رومانيا — العضو في الناتو — الشهر الماضي. التهديد منخفض الارتفاع لم يعد محلّ جدل. المشكلة هي اعتراضه بسعر اقتصادياً يمكن تحمّله.
يقفز إلى الذهن جواب “زيادة الرادارات تحلّ المشكلة” — وهو خاطئ. القيد ليس في عدد الرادارات بل في هندسة البنية. فالرادار البحثي بعيد المدى التقليدي لا يستطيع رؤية مسيّرة تطير منخفضةً على بُعد 50 أو 80 كم، لأنّ كروية الأرض تضعها في منطقته العمياء. تتطلب التغطية منخفضة الارتفاع إمّا أجهزة استشعار محمولة على أبراج، أو مراقبة بالبالونات المثبّتة (aerostat)، أو منصّات مرحّلة قائمة على طائرات مسيّرة. وتعيد خطة الناتو موازنة الثلاثة، فوقها طبقة دمج بيانات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تربط طائرات AWACS/Wedgetail البعيدة بالصورة المحلية.
أما النصف الثاني من الجواب فيقع في الجانب الاعتراضي. حازت Anduril الشهر الماضي عقد نموذج أوّلي للقيادة والسيطرة من الجيش الأميركي عبر برمجية Lattice التي تدمج المعلومات من منظومات دفاع صاروخي مختلفة. وهذا تحديداً ما يحتاجه الناتو: طريقة لربط المنظومات الوطنية المنفصلة في صورة قرار واحدة. أما على جانب الاعتراض الرخيص، فيطلب الجيش الأميركي في موازنة FY27 994 مليون دولار لمكافحة المسيّرات الصغيرة، تشمل 800 مؤثّر حركي و29 غير حركي و24 صاروخاً اعتراضياً من الجيل الجديد (NGCM). وفي الجانب الأوروبي، خصّص برنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية (EDIP) مبلغ 240 مليون يورو للمشتريات المشتركة في مجال مكافحة المسيّرات والدفاع الجوي والصاروخي.

ما الذي يُعاد تشكيله في الناتو: من صورة واحدة إلى شبكة
كانت صورة الجو التقليدية للناتو تُغذَّى من نقطة واحدة — مثلاً أسطول E-3 في غايلنكيرشن بألمانيا. أما البنية الجديدة فتقوم على طبقة مراقبة موزّعة ومتشبّكة: موقع هنغاري، وبالون مراقبة في البحر الأسود، ورادار آيسلندي، وطائرة Wedgetail — جميعها مربوطة بعمود فقري واحد لدمج البيانات. الاسم التقني لذلك هو “القيادة والسيطرة المشتركة عبر كافة المجالات” (JADC2)؛ والترجمة العملية أنّ مشغّل رادار روماني وطيار F-16 لاتفي وغوّاص نرويجي يرون الصورة التكتيكية نفسها في الثانية ذاتها. هدف الزيادة الأولى لـACT قبل نهاية العام هو وضع هيكل هذا العمود الفقري.
ولا بدّ من تذكّر أنّ الحلف اتّخذ قراره بشأن E-7A Wedgetail على المنطق نفسه. غير أنّ Wedgetail وحدها لا تحلّ مشكلة الشاهد؛ فهي بمقاس الارتفاعات المتوسطة والعالية. الجانب منخفض الارتفاع يستلزم إعادة بناء معادلة الكلفة من رخيص-وكثير في الاستشعار إلى رخيص-وكثير في الاعتراض. تستعدّ برمجيات Anduril Lattice للدخول في تلك البنية من جانب البرمجية، والصواريخ الاعتراضية الحديثة مثل Coyote وRoadrunner وIRIS-T SLM-X من جانب العتاد. وعلى الأرجح ستُرسّخ “الزيادة الأولى” بنية ستغدو خلال سنوات معياراً سائداً في الحلف.
المنظور التركي: القبة الفولاذية في قلب هذه المعادلة
عاشت تركيا “حرب الكلفة” قبل أن تصكّ بروكسل المصطلح بسنوات. أسراب الشاهد الروسية فوق البحر الأسود وملف التهديدات المتعدد المتجاهات على الحدود الشرقية دفعا الصناعة الدفاعية المحلية إلى بناء حلول طبقية ورخيصة. والنتيجة، التي تتسارع منذ ثلاث سنوات، هي مفهوم القبة الفولاذية (ÇELİK KUBBE) للدفاع الجوي المتكامل. ويرتكز المفهوم على أربعة أعمدة محلية: كوركوت (KORKUT) وغوكبرك (GÖKBERK) المدفعيان مع سونغور (SUNGUR) للدفاع القريب؛ وحصار A+ / حصار O+ للمدى القصير-المتوسط؛ وسيبر (SİPER) للمدى البعيد؛ وعمود القيادة والسيطرة حكيم (HAKİM) الذي يربط الجميع.
تتقاطع معماريّة الناتو الجديدة مع ما بنته تركيا فعلاً تقاطعاً لافتاً. ففي جانب مكافحة المسيّرات منخفضة الارتفاع، تقدّم İHTAR وGÖKBERK؛ وفي جانب البرمجيات، يقدّم تكامل القيادة والسيطرة STEEL DOME؛ وفي جانب الاعتراض، تقدّم عائلة حصار-سيبر — تركيا تطرح حزمة قد تقوم بدور مورّد تقني أصيل لبنية المراقبة الجوية ومكافحة المسيّرات الجديدة في الحلف. وفي جانب التصدير، باتت هذه القدرة منافسة فعلية للأنظمة الصينية في أسواق الخليج وأفريقيا. ومفارقةً، يشكّل إطار “حرب الكلفة” أقوى حُجج الصناعة الدفاعية التركية على المسرح العالمي: حلول رخيصة قابلة للتوسّع ووطنية في مواجهة مشاكل باهظة.

المصادر
- Breaking Defense — “NATO revamps air surveillance approach for the ‘cost-war’ of low-flying drones, missiles”
- Defence Industry Europe
- Army Recognition
- بيانات قيادة التحوّل في الناتو (ACT)
- Wikipedia — NATO AWACS / E-7 Wedgetail / Anduril Lattice
مواضيع ذات صلة
- الجيش الأميركي يخصّص مليار دولار لمكافحة المسيّرات: “منظومة منظومات” على ثمانية بنود
- اندفاعة البنتاغون بـ53.6 مليار دولار نحو المسيّرات: أكثر من 200 ألف طائرة بلا طيار
- الكونغرس يوقف البنتاغون: القوات الجوية الأميركية ترفع طلبات E-7A Wedgetail إلى سبع طائرات