ألمانيا تسلّم إسرائيل آخر غواصات «دولفين»: ماذا يخفي برج «دراكون» الضخم؟

ألمانيا تسلّم إسرائيل آخر غواصات «دولفين»: ماذا يخفي برج «دراكون» الضخم؟
عرض ملخّص المقال

أعلن حوض «تي كي إم إس» الألماني تسليم الغواصة «آي إن إس دراكون»، وهي الثالثة والأخيرة من طراز دولفين AIP الذي بُني للبحرية الإسرائيلية. غادرت الغواصة حوض كيل وهي في طريقها إلى إسرائيل، لتُسدل الستار على برنامج تعاقدت عليه تل أبيب عام 2012. غير أنّ ما يشغل الأوساط الدفاعية ليس التسليم بحدّ ذاته: «دراكون» أطول من شقيقتيها بنحو خمسة أمتار، ويعلوها برج غير مألوف في حجمه.

صورة تعريفية لعائلة غواصات «تي كي إم إس». أنهى الحوض الألماني برنامج دولفين AIP بتسليم «دراكون» لينتقل إلى طراز «داكار».
صورة تعريفية لعائلة غواصات «تي كي إم إس». أنهى الحوض الألماني برنامج دولفين AIP بتسليم «دراكون» لينتقل إلى طراز «داكار».

في لمحة

  • ما الذي جرى: في الأول من سبتمبر 2026 أعلنت «تي كي إم إس» تسليم «دراكون» ومغادرتها كيل نحو إسرائيل.
  • أيّ غواصة: الثالثة والأخيرة من طراز دولفين AIP، وهي السادسة في الأسطول الإسرائيلي.
  • من بناها: حوض «تي كي إم إس»، المعروف سابقاً بـ HDW، في مدينة كيل شمالي ألمانيا.
  • الكلفة: نحو 650 مليون يورو وفق تعاقد عام 2012.
  • وجه الاختلاف: شقيقتاها «تانين» و«رهاف» بطول 68.6 متراً، بينما تبلغ «دراكون» نحو 73-74 متراً ببرج أكبر بكثير.
  • الجدل: محللون يرجّحون أن البرج الموسّع يضم أنابيب إطلاق عمودي، وإسرائيل لا تؤكد شيئاً.
  • ما هو المقبل: ثلاث غواصات من طراز «داكار» بنحو 3 مليارات يورو، وتسليمها مطلع ثلاثينات القرن.
  • القراءة الإقليمية: ما يتغيّر في شرق المتوسط ليس الحمولة بل المدى والاستمرارية.

وداع في كيل ثم عبور نحو الجنوب

أفاد بيان «تي كي إم إس» الصادر في الأول من سبتمبر 2026 بأنّ «دراكون» غادرت حوض كيل وبدأت رحلة العبور إلى إسرائيل، ووصفتها الشركة بأنها الوحدة الثالثة والأخيرة من طراز دولفين المزوّد بالدفع المستقل عن الهواء، معلنةً اكتمال البرنامج بمغادرتها. أمّا مراسم الوداع على الرصيف فقد جمعت قيادتَي البحرية في البلدين.

حضر المراسم قائد البحرية الإسرائيلية اللواء البحري إيال هاريل، وقائد البحرية الألمانية اللواء البحري يان كريستيان كاك، ورئيس مديرية المشتريات في وزارة الدفاع الإسرائيلية زئيف لانداو، والسفير الإسرائيلي في برلين رون بروسور. هذه القائمة وحدها تكشف أنّ التسليم ليس صفقة تجارية عادية؛ فبرنامج الغواصات ظلّ لسنوات أوضح حلقات التعاون الدفاعي الألماني-الإسرائيلي وأكثرها إثارةً للجدل.

وقد اختار الرئيس التنفيذي للشركة أوليفر بوركهارد أن يضع الإنجاز في إطار الصعوبة لا القدرة، إذ قال: «بمغادرة دراكون نختتم بنجاح برنامجاً شاقاً اتّسم على مدى سنوات طويلة بالثقة والخبرة التقنية والمسؤولية المشتركة»، مضيفاً أنّ التعاون سيستمر عبر طراز «داكار». والرسالة التجارية الكامنة واضحة: الحوض يريد أن يُحسَب له إنجاز برنامج اشتُهر بتأخيراته.

وثمة بعد مؤسسي في المشهد أيضاً. فحوض كيل ظلّ عقوداً المورّد الرئيس للبحرية الإسرائيلية، إذ بنى غواصات دولفين وكورفيتات طراز «ساعر 6» على السواء. مغادرة «دراكون» تغلق جيلاً من هذه العلاقة، فيما يفتح طراز «داكار» الجيل التالي.

غواصة ألمانية الصنع راسية في حوض كيل. تنتج منشآت «تي كي إم إس» هناك غواصات لبحريات حلف الأطلسي ولزبائن التصدير منذ عقود.
غواصة ألمانية الصنع راسية في حوض كيل. تنتج منشآت «تي كي إم إس» هناك غواصات لبحريات حلف الأطلسي ولزبائن التصدير منذ عقود.

أربعة عشر عاماً بين التعاقد والتسليم

جرى التعاقد على «دراكون» عام 2012، بعد دخول «تانين» و«رهاف» الخدمة، بكلفة تناهز 650 مليون يورو. وكانت الخطة آنذاك مباشرة: تكرار تصميم قائم وتسليمه مطلع العقد الحالي.

لكنّ المسار انحرف. أُنزلت الغواصة إلى الماء مرة أولى عام 2017، ثم أُعيد النظر في التصميم فيما تصفه المصادر المفتوحة بإعادة صياغة للمفهوم، وهو ما عنى عملياً إطالة البدن وإعادة تصميم البرج. أُنزلت الغواصة مرة ثانية في أغسطس 2023، وحملت اسمها رسمياً في 12 نوفمبر 2024، وبدأت تجاربها البحرية صيف 2025. أربعة عشر عاماً فصلت العقد عن التسليم.

يذكّر هذا الجدول الزمني بحقيقة تخصّ الغواصات دون غيرها: هي أصعب المنصات العسكرية في تثبيت تصميمها. فكلّ متر يُضاف إلى البدن يرتدّ على الاتزان والبصمة الصوتية وسعة البطاريات وأداء الغطس. ولذلك يبدو تأخّر «دراكون» ناتجاً عن تغيّر تعريف القدرة في منتصف الطريق أكثر منه عن سوء إدارة.

خمسة أمتار إضافية… وذلك البرج

يبلغ طول «تانين» و«رهاف» 68.6 متراً، بينما تصل «دراكون» إلى نحو 73-74 متراً. وفي هندسة الغواصات لا يُعدّ هذا فارقاً تقريبياً، بل يعني إدخال مقطع جديد في البدن، وحجماً داخلياً إضافياً، ومهمة جديدة في الغالب. غير أنّ اللافت ليس البدن بل البرج.

فبرج «دراكون» أكبر وأعلى بوضوح من أي برج آخر في الطراز. ومنذ سنوات يرجّح محللو المصادر المفتوحة الذين يتابعون صور الأقمار الاصطناعية والموانئ، وفي مقدمتهم المحلل البحري إتش آي ساتون، أنّ هذا الهيكل يخفي أنابيب إطلاق عمودي. وبحسب ما نقلته «نافال نيوز»، فإنّ تحليل الصور يشير إلى أنّ هذه الأنابيب قد تكون مصمّمة لصواريخ باليستية تُطلق من الغواصات.

ويجب التنبّه هنا إلى أمر جوهري: لم تؤكد إسرائيل يوماً تسليح «دراكون» ولا أي قدرة استراتيجية في هذا الطراز، والتقديرات المتداولة تستند إلى الشكل الخارجي وحسابات الحجم والمقارنات التاريخية. ومع ذلك يصعب إيجاد تفسير بديل مقنع؛ فالحجم الداخلي هو أغلى مورد في الغواصة، ولا يضيف أي حوض بنية ترفع المقاومة والبصمة الصوتية من دون مقابل حقيقي في القدرة.

غواصة من تصميم HDW قيد البناء في كيل. يزوّد بيت التصميم نفسه بحريات أطلسية وزبائن من خارج الحلف.
غواصة من تصميم HDW قيد البناء في كيل. يزوّد بيت التصميم نفسه بحريات أطلسية وزبائن من خارج الحلف.

لماذا يهمّ جدل الإطلاق العمودي؟

تشير تقديرات راسخة منذ سنوات إلى أنّ غواصات دولفين الإسرائيلية الحالية تحمل صواريخ جوّالة تُطلق عبر أربعة أنابيب موسّعة عيار 650 ملم، لتشكّل الذراع البحرية للردع النووي. لم يُعترف بذلك رسمياً قط؛ فإسرائيل تنتهج منذ عقود سياسة غموض متعمّد لا تؤكد فيها امتلاك السلاح النووي ولا تنفيه.

والفارق بين صاروخ جوّال يُطلق من أنبوب طوربيد وصاروخ باليستي يُطلق من أنبوب عمودي ليس تفصيلاً تقنياً بل فارق في العقيدة. الجوّال يطير منخفضاً وبطيئاً ولمدة طويلة، ويمكن رصده وإسقاطه. أمّا الباليستي فيتسلّق إلى ارتفاع شاهق ويهبط على هدفه في زمن أقصر بكثير، واعتراضه مسألة أصعب بما لا يقاس. وإضافة أنابيب عمودية تحوّل الغواصة من منصة تحمل سلاحاً إلى حاملة لقدرة الضربة الثانية.

والضربة الثانية هي حجر الزاوية في نظرية الردع: فلو دُمّرت كل الصوامع والقواعد الجوية على الأرض في هجوم أول، وبقيت منصة واحدة مجهولة الموقع تحت الماء، فلن يحصل المهاجم على النتيجة التي صمّم هجومه من أجلها. ما يجعل الغواصة استراتيجية ليس مداها بل استحالة العثور عليها. وهذا هو جوهر الجدل حول «دراكون»: ليس سلاحاً جديداً، بل أيّ ركن من أركان بنية الردع يجري تعزيزه.

وترى «نافال نيوز» أنّ الجمع بين قدرة الصواريخ الجوّالة القائمة ونظام باليستي جديد سيمنح البحرية الإسرائيلية خياراً استراتيجياً أكثر مرونة وأعلى قابلية للبقاء. غير أنّ اختبار هذا التقدير لن يتم إلا عبر سنوات من الصور المسرّبة والنشاطات التجريبية المرصودة.

صورة تمثيلية لإطلاق طوربيد ثقيل من غواصة. تتيح الأنابيب الموسّعة عيار 650 ملم في طراز دولفين استخدام ذخائر تتجاوز أقطار الطوربيدات المعيارية.
صورة تمثيلية لإطلاق طوربيد ثقيل من غواصة. تتيح الأنابيب الموسّعة عيار 650 ملم في طراز دولفين استخدام ذخائر تتجاوز أقطار الطوربيدات المعيارية.

البطاقة الفنية للغواصة «دراكون»

البند«آي إن إس دراكون» (دولفين AIP)
الطرازدولفين 2 / «دولفين AIP»، ديزل-كهربائي مع دفع مستقل عن الهواء
جهة البناءتي كي إم إس (سابقاً HDW) في مدينة كيل الألمانية
سنة التعاقد2012
الكلفة التقريبيةنحو 650 مليون يورو
الطولنحو 73-74 متراً (الشقيقتان 68.6 متراً)
العرض / الغاطس6.8 م / 6.2 م
الإزاحة2050 طناً على السطح / 2400 طن تحت الماء
الطاقمحتى 45 فرداً
السرعةتتجاوز 25 عقدة تحت الماء
عمق الاختبار350 متراً على الأقل
الدفعثلاثة مولدات ديزل وعمود واحد بنحو 4240 حصاناً، مع خلايا وقود PEM
أنابيب الطوربيدستة عيار 533 ملم وأربعة موسّعة عيار 650 ملم
الذخائر المعروفةطوربيد DM2A4 زيهاكه الموجّه بالسلك، وصاروخ IDAS المضاد للمروحيات
العنصر موضع الجدلأنابيب إطلاق عمودي يُرجَّح وجودها داخل البرج الموسّع (غير مؤكدة رسمياً)

طراز دولفين: أكثر خطوط التصدير الألمانية إثارةً للجدل

تعود جذور العائلة إلى مطلع تسعينات القرن الماضي وما أعقب حرب الخليج، حين موّلت ألمانيا الغواصتين الأوليين لإسرائيل بصفة منحة إلى حدّ بعيد، وتقاسمت كلفة الثالثة. دخلت «دولفين» و«لِفياثان» و«تكوما» الخدمة بين عامي 1999 و2000، وكانت تلك الدفعة الأولى نسخة موسّعة من عائلة Type 209 الألمانية أُعيدت هندستها وفق المتطلبات الإسرائيلية، وأبرز ما ميّزها إضافة أربعة أنابيب عيار 650 ملم إلى جانب الأنابيب المعيارية عيار 533 ملم.

أمّا الدفعة الثانية، دولفين 2 أو «دولفين AIP»، فجاءت بالدفع المستقل عن الهواء. وخلايا الوقود من نوع PEM تمدّ زمن بقاء الغواصة الديزل-كهربائية تحت الماء من أيام إلى أسابيع، ومن دون رفع أنبوب السنوركل، أي من دون الاقتراب من السطح. ومقارنةً بالدفع النووي تبقى السرعة والقدرة على المكوث محدودتين، لكنّ البصمة الصوتية أخفض بكثير. دخلت «تانين» الخدمة عام 2014 و«رهاف» عام 2016، وجاءت «دراكون» لتغلق الخط.

ويبقى السجل العملياتي للطراز طيّ الكتمان في معظمه، وما يرد في الأدبيات المفتوحة يتركّز حول عمليات انتقال بعيدة المدى وعبور نحو البحر الأحمر. وقيمة مثل هذه الانتشارات في الردع لا تكمن في ضرب هدف، بل في إثبات القدرة على الوصول إليه؛ ففي الردع النووي تسبق الرسالةُ السلاحَ في أغلب الأحيان.

وكان الشق التجاري مثار خلاف على الدوام. فنسبة الدعم الحكومي الألماني المرتفعة في هذه الصادرات ظلّت مادة سجال سياسي متكرر في برلين، بينما أثارت قرارات الشراء المرتبطة بالطراز تحقيقات مطوّلة داخل إسرائيل. وهو مثال مدرسي على أنّ تصدير السلاح ليس يوماً مسألة هندسية خالصة.

التالي: ثلاث غواصات «داكار» بنحو 3 مليارات يورو

كما شدّدت «تي كي إم إس»، فإنّ انتهاء برنامج دولفين AIP ليس نهاية العلاقة. فقد وقّعت إسرائيل مطلع عام 2022 على ثلاث غواصات من طراز «داكار» ضمن حزمة تناهز 3 مليارات يورو، مع تقارير عن تحمّل الحكومة الألمانية جزءاً من الكلفة يقدّر في المصادر المفتوحة بنحو الخُمس. وقد بدأ بناء الغواصة الأولى قبل سنوات.

والاسم مستعاد من الغواصة الإسرائيلية التي فُقدت بطاقمها في المتوسط عام 1968، وفق تقليد بحري يقضي بنقل أسماء السفن المفقودة إلى أجيال جديدة. ويُتوقع أن تبدأ التسليمات مطلع ثلاثينات القرن بفواصل تناهز ثمانية عشر شهراً، لتحلّ محل الدفعة الأولى «دولفين» و«لِفياثان» و«تكوما».

وقد يفسّر برنامج «داكار» شكل «دراكون» غير المألوف. فالبدن المطوّل والبرج الموسّع والحجم الداخلي المتزايد هي بالضبط الحلول التي يودّ أي حوض إنضاجها على منصة قائمة قبل أن تصبح معياراً في طراز جديد. وبهذه القراءة تكون «دراكون» آخر غواصات برنامج، وأول نموذج اختباري للبرنامج التالي في آن واحد.

جدل التصدير في برلين واستثناء الغواصات

يأتي التسليم وسط عامين من التذبذب الألماني في ملف نقل السلاح إلى إسرائيل. فقد علّقت برلين في أغسطس 2025 الموافقات على تصدير العتاد العسكري الذي يمكن استخدامه في غزة، وقال المستشار فريدريش ميرتس إنّ بلاده لن تجيز تصدير مثل هذا العتاد حتى إشعار آخر. وفي نوفمبر 2025 رفعت الحكومة القيد مستندةً إلى وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في أكتوبر، وعادت إلى تقييم الطلبات حالة بحالة.

وانتقدت منظمة العفو الدولية والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان هذا التراجع بشدّة، ووصفت العفو الدولية استئناف الشحنات بأنه متهوّر وغير قانوني. وتشير التقارير إلى أنّ ألمانيا أجازت منذ أكتوبر 2023 صادرات سلاح إلى إسرائيل بنحو 485 مليون يورو.

ويحتلّ خط الغواصات موقعاً خاصاً داخل هذا السجال. فقد حُصر قيد أغسطس 2025 بالعتاد القابل للاستخدام في غزة، وخرجت من هذا التعريف غواصة استراتيجية عابرة للمحيطات، فاستمر البرنامج بلا انقطاع. وتكشف الواقعة كيف تعمل قيود التصدير عملياً: القرارات السياسية تطال غالباً المنظومات المرئية المعروفة ذات جداول التسليم القريبة، بينما تمضي البرامج الاستراتيجية الممتدة على عقود من تحت طاولة النقاش.

إلى أي مدى يتغيّر ميزان الأعماق في شرق المتوسط؟

شرق المتوسط من أكثر البحار شبه المغلقة كثافةً بالغواصات في العالم. فأساطيل تركيا واليونان وإسرائيل ومصر والجزائر تتداخل هناك مع وحدات روسية وأميركية وفرنسية وبريطانية في رقعة مائية محدودة نسبياً. وتتضافر طبوغرافيا القاع وطبقات الملوحة وكثافة الحركة التجارية لتجعل منه واحدة من أصعب بيئات السونار على الإطلاق.

وما تضيفه «دراكون» إلى هذه المعادلة ليس الحمولة؛ فغواصة ديزل-كهربائية زنة 2400 طن لا تغيّر وحدها ميزان القوى الإقليمي. الذي يتغيّر هو مشكلة الحساب الناشئة عن نقل قدرة استراتيجية محتملة إلى البحر: وجود منصة مجهولة الموقع يزرع شكّاً دائماً في دورة التخطيط لدى الخصم بأكملها. ورياضيات الردع هنا لا تقوم على عدّ القاذفات بل على كلفة عدم المعرفة.

وتترتب على ذلك نتيجة ثانية: تكفّ المراقبة تحت الماء والحرب المضادة للغواصات عن كونها وظيفة مساندة لتصبح بنداً استثمارياً رئيسياً. المصفوفات الهيدروفونية الثابتة، والمركبات غير المأهولة العاملة تحت الماء، وسونارات السفن والمروحيات: هنا على الأرجح ستتركّز إنفاقات بحريات المنطقة في العقد المقبل.

قراءة من أنقرة

تملك تركيا واحداً من أكبر أساطيل الغواصات في شرق المتوسط، وتشتري مصادفةً من بيت التصميم نفسه الذي تشتري منه إسرائيل. فغواصات «برفزة» و«غور» تنحدر من عائلة Type 209 الألمانية، فيما يقوم طراز «رئيس» الداخل الخدمة على تصميم Type 214TN، مع فارق حاسم: هذه الغواصات تُبنى في حوض غولجوك. أي أنّ تركيا تجاوزت مرحلة شراء الغواصات إلى بنائها بيدها العاملة.

والبرنامجان يجيبان عن سؤالين مختلفين. فخط دولفين وداكار الإسرائيلي يتركّز على سدّ فجوة استراتيجية بعدد محدود من الغواصات المبنية في الخارج، ما يبقي سلسلة التوريد خارجية بالكامل. أمّا الخط التركي فمبني على العدد والاستمرارية والتوطين: ترتفع نسبة المنظومات المحلية في كل غواصة من طراز «رئيس»، من سونارات «أسيلسان» ومنظومات الدعم الإلكتروني، إلى برمجيات إدارة المعركة من «هافيلسان»، وطوربيد «آكيا» الثقيل و«أوركا» الخفيف من «روكيتسان»، مع «أطمجة» و«تشاكير» القابل للإطلاق من تحت الماء في الجانب المضاد للسفن.

والعتبة التالية هي «ميلدن»، أي مشروع الغواصة الوطنية. وما يميّز «ميلدن» عمّا سبقه ليس التصنيع بترخيص بل ملكية التصميم. فبين أن تبني غواصة بترخيص وأن تصمّمها من ورقة بيضاء حاجز لم تعبره سوى حفنة من الدول. وفي شكل البدن وإدارة البصمة الصوتية ومنظومات الغطس وتكامل نظام القتال تتحوّل كفاءة التصميم إلى الشكل الوحيد من الاستقلال الذي لا يحتاج إلى رخصة تصدير.

وستكون المقارنة المباشرة بين برنامجين مختلفي الحجم والغرض مضلّلة: إسرائيل اختارت عدداً صغيراً من الغواصات الباهظة ذات المهمة الاستراتيجية، وتركيا اختارت أسطولاً واسعاً تسنده صناعتها الوطنية. لكنّ «دراكون» تذكّر بحقيقة تتجاوز الحالتين: الحجم الداخلي أندر موارد الغواصة، وما تقرّر وضعه فيه اليوم يحكم ما تستطيع فعله في الثلاثين عاماً المقبلة. وهنا بالضبط يكمن ثقل قرارات التصميم في «ميلدن».

غواصة ديزل-كهربائية في عرض البحر. انتقلت تركيا من طرازي «برفزة» و«غور» إلى بناء طراز «رئيس» في غولجوك، ويستهدف مشروع «ميلدن» امتلاك التصميم الوطني.
غواصة ديزل-كهربائية في عرض البحر. انتقلت تركيا من طرازي «برفزة» و«غور» إلى بناء طراز «رئيس» في غولجوك، ويستهدف مشروع «ميلدن» امتلاك التصميم الوطني.

المصادر

  • نافال نيوز، «تي كي إم إس تسلّم دراكون إلى إسرائيل: آخر غواصات دولفين بقدرة صاروخية جديدة»، 3 سبتمبر 2026
  • بيان «تي كي إم إس» بشأن تسليم الغواصة «دراكون»، الأول من سبتمبر 2026
  • ديفنس إندستري يوروب، «تي كي إم إس تسلّم دراكون للبحرية الإسرائيلية وتُنهي برنامج دولفين AIP»
  • نافال تكنولوجي، «إسرائيل تتسلّم آخر غواصات دولفين من الشركة الألمانية»
  • أرشيف نافال نيوز، تعاقد إسرائيل على ثلاث غواصات «داكار»، يناير 2022
  • الجزيرة ويورونيوز، رفع ألمانيا قيود تصدير السلاح إلى إسرائيل، نوفمبر 2025
  • بيانات منظمة العفو الدولية والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان

أخبار ذات صلة

Bir Yorum Yazın

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Benzer Yazılar