مناورة روسية في المحيط الهادئ تكشف العقدة الحقيقية في حرب السفن: العين لا الصاروخ

مناورة روسية في المحيط الهادئ تكشف العقدة الحقيقية في حرب السفن: العين لا الصاروخ
عرض ملخّص المقال

استثمرت روسيا مناوراتها الواسعة في المحيط الهادئ خلال آب/أغسطس لمعالجة أضعف حلقة في أي منظومة صواريخ مضادّة للسفن، ألا وهي العثور على الهدف. فقد رصدت طائرة «فورپوست-آر» المسيّرة أهدافاً بحرية افتراضية وحدّدت هويّتها، ثم سلّمت إحداثياتها إلى راميَين مختلفين في وقت واحد: بطارية «باستيون» الساحلية على البرّ، وسفينة صواريخ صغيرة تحمل صواريخ «أوران» في البحر. وهذا في جوهره ليس تفصيلاً في مناورة، بل إعلان عن الموضع الذي تُحسم فيه المعركة البحرية اليوم.

في لمحة

  • مَن: أسطول المحيط الهادئ الروسي ووحدات من المنطقة العسكرية الشرقية.
  • ماذا: اختبار «مركّب استطلاع-ضربة» تبحث فيه طائرة مسيّرة عن هدف بحري وتغذّي به المنظومات الساحلية والسفن معاً.
  • أين: بحر أوخوتسك وبحر اليابان وشمال غربي المحيط الهادئ.
  • متى: انطلقت المناورة الأوسع في 4 آب/أغسطس 2026، ونُفّذ التنسيق بين المسيّرة والصواريخ قبيل عيد القوات الجوية في 12 آب/أغسطس.
  • الحجم: أكثر من 13 ألف عنصر، و60 سفينة حربية وغوّاصة، ونحو 30 طائرة ومسيّرة.
  • السلاح: منظومة «باستيون» بصواريخ «أونيكس» على البرّ، وسفينة صواريخ من مشروع 1234 بصواريخ «أوران» في البحر.
  • بيت القصيد: مدى الصاروخ قد يبلغ 300 كيلومتر، بينما لا يرى رادار السفينة سوى عُشر تلك المسافة تقريباً.
فرقاطة بحرية روسية
فرقاطة تابعة للبحرية الروسية. كلّما ازداد مدى الصواريخ المضادّة للسفن، ازدادت أهمية الحسّاس الذي يعثر على الهدف. (صورة تعبيرية)

المشكلة ليست في المدى بل في البصر

يرصد رادار السفينة الحربية هدفاً سطحياً على مسافة تتراوح عادةً بين 30 و45 كيلومتراً، تبعاً لارتفاع الهوائي. وليس لهذا الحدّ علاقة بالقدرة أو بالمعالجة، وإنّما هو أثر كروية الأرض: فبعد مسافة معيّنة تمرّ الحزمة فوق الهدف وتمضي إلى الفراغ. وهذا ما يُسمّى «أفق الرادار». أمّا الصاروخ المضادّ للسفن القابع في القاذف فقادر على قطع مئتَي كيلومتر إلى ثلاثمئة.

تلك الفجوة هي أقدم إشكالات الحرب البحرية وأعصاها. فالصاروخ الذي يبلغ مداه 300 كيلومتر، إذا اقترن بحسّاس لا يرى أبعد من أربعين، يصير عملياً سلاحاً مداه أربعون. ولهذا لا تكون القدرة المضادّة للسفن قطعةً واحدة من العتاد، بل سلسلة: الحسّاس الذي يجد، والوصلة التي تنقل، والقاذف الذي يطلق. وإذا انقطعت أي حلقة بقي الصاروخ في حاويته.

والحلقة الوسطى تحديداً هي ما تدرّبت عليه روسيا هذا الشهر. فبحسب «ديفنس إكسبرس»، بحثت طائرة «فورپوست-آر» المسيّرة عن أهداف بحرية افتراضية وحدّدتها، ثم أرسلت إحداثياتها إلى راميَين منفصلين: منظومة «باستيون» للدفاع الساحلي المنتشرة على البرّ، وسفينة صواريخ صغيرة من طراز «مشروع 1234 أوفود» مسلّحة بصواريخ «أوران».

ومعنى ذلك يستحقّ التأمّل: حسّاس واحد، وحلّان ناريّان مستقلّان. فإن تعذّر على البطارية الساحلية الاشتباك تولّت السفينة المهمّة، وإن خرجت السفينة من الموضع المناسب أطلق البرّ. أي أنّ عنصر استطلاع واحداً يضاعف عدد السبل المتاحة لضرب الهدف — وهو جوهر ما يسمّيه المنظّرون «مركّب الاستطلاع-الضربة».

طائرة استطلاع مسيّرة روسية
طائرة استطلاع مسيّرة روسية الصنع. نشأت عائلة «فورپوست» أصلاً من تصميم إسرائيلي أُنتج بترخيص. (صورة تعبيرية)

«فورپوست-آر»: تصميم إسرائيلي عمّر أطول من سلسلة إمداده

تمثّل «فورپوست» واحدة من أوضح الأمثلة على الأثر الدائم الذي يخلّفه نقل التقنية. فالهيكل منحدر من طائرة «سيرتشر مارك 2» التي تنتجها «الصناعات الجوية الإسرائيلية»، وقد بدأت روسيا تجميعها بترخيص في «مصنع الأورال للطيران المدني» مطلع العقد الثاني من هذا القرن.

ولمّا توقّف تدفّق المكوّنات الإسرائيلية المنشأ بعد عام 2022، أعادت روسيا تصميم الطائرة حول قطع محلّية وأدخلت النسخة المؤَمَّمة الموسومة بحرف «آر». وتستطيع «فورپوست-آر» حمل ذخائر موجّهة خفيفة، وقد استُخدمت في مهامّ هجومية محدودة، غير أنّ وظيفتها الأساسية بقيت ما كانت عليه: التحليق طويلاً فوق مساحة واسعة ومسحها بحسّاسات كهروبصرية وحرارية.

وفي هذه المناورة كان دور الاستطلاع أهمّ بكثير من القدرة الهجومية. فالمسيّرة التي تلقي ذخيرتها بنفسها قد تعطّل هدفاً، أمّا المسيّرة التي تمرّر إحداثيات فتُطلق صاروخاً أسرع من الصوت من عمق خمسين كيلومتراً داخل اليابسة. وهكذا لم يعد الأثر محكوماً بما تحمله الطائرة نفسها.

حلقات السلسلة الثلاث

«فورپوست-آر» (مسيّرة استطلاع)مشتقّة من «سيرتشر مارك 2»؛ من إنتاج مصنع الأورال؛ تحمّل جوّي طويل وحمولة كهروبصرية/حرارية ووصلة بيانات
«باستيون / كيه-300 پي» (منظومة ساحلية)تطلق صواريخ «پي-800 أونيكس» الأسرع من الصوت من قاذفات مدولبة؛ مدى النسخة التصديرية نحو 300 كم
صاروخ «پي-800 أونيكس»طيران أسرع من الصوت؛ مقطع طيران مختلط بين الارتفاع العالي والمنخفض؛ ينخفض إلى مستوى سطح البحر في المرحلة النهائية
«أوران / كيه إتش-35»صاروخ مضادّ للسفن دون سرعة الصوت، يُعدّ نظيراً لفئة «هاربون» الغربية؛ يطير ملاصقاً لسطح البحر
طراز «مشروع 1234 أوفود»سفينة صواريخ صغيرة من الحقبة السوفياتية، صُمّمت على قاعدة تكديس تسليح صاروخي ثقيل في بدن خفيف
حجم المناورةأكثر من 13 ألف عنصر، و60 سفينة وغوّاصة، ونحو 30 طائرة ومسيّرة في ثلاث مساحات بحرية

«باستيون» و«أوران»: طرفان لسلسلة واحدة

تشكّل «باستيون» أبرز عناصر بنية الدفاع الساحلي الروسي. فصواريخ «أونيكس» التي تحملها تطير بسرعة تفوق الصوت، ما يضغط نافذة ردّ فعل المدافع، كما تستطيع القاذفات المدولبة تغيير موضعها بعد الإطلاق تفادياً للنيران المضادّة. وهذه الحركية هي سبب اعتماد الدفاع الساحلي الروسي عليها من البحر الأسود إلى المحيط الهادئ.

أمّا «أوران» فينحدر من فلسفة تصميم أخرى. إذ يطير «كيه إتش-35» دون سرعة الصوت ملاصقاً لسطح الماء، وهو صغير بما يكفي ليُركَّب على أبدان متواضعة. وهو أبطأ من «أونيكس» لكنّه أرخص وأوسع انتشاراً في الأسطول — بما في ذلك كورفيت «مشروع 1234» الذي شارك في المناورة.

وتغذية المنظومتين من حسّاس واحد تُعقّد حساب المدافع كثيراً. فأنت لا تواجه نمط تهديد واحداً بل نمطين: صاروخاً أسرع من الصوت من الساحل، وآخر ملاصقاً لسطح البحر من الماء، يصلان على متّجهَين مختلفَين وببصمتَين رادارِيّتين مختلفتين، وإن كانت مسيّرة واحدة قد ولّدت حلّ الاستهداف لكليهما.

وقد أشارت «ديفنس إكسبرس» كذلك إلى تطبيق محتمل. ففي حزيران/يونيو 2025 كلّفت روسيا الكورفيت «بويكي» المسلّح بـ«أوران» بمرافقة ناقلات «أسطول الظلّ» الخاضعة للعقوبات. وعلى هذه القراءة، لا يقتصر الاستهداف المدعوم بالمسيّرات على إغراق السفن الحربية، بل يمتدّ إلى بسط الحماية على حركة تجارية تعدّها موسكو استراتيجية.

إطلاق صاروخ مضادّ للسفن
لحظة إطلاق صاروخ مضادّ للسفن. كلّما طال المدى ازدادت أهمية مصدر بيانات الهدف. (صورة تعبيرية)

ما الذي تُظهره المناورة فعلاً

ثمّة فارق بين قدرة تُعرَض في مناورة وقدرة تُنجَز تحت النار. فتوجيه صاروخ نحو هدف افتراضي ليس كتوجيهه بينما يشوّش الخصم وصلة بياناتك ويطارد الطائرة التي تزوّدك بها. ولهذا وضع الطرفان في أوكرانيا مسيّرات الاستطلاع في صدارة قوائم أهدافهما: كسر السلسلة عند الحسّاس أيسر من كسرها عند القاذف.

ومع ذلك فالاتجاه واضح. لم تعد المعركة البحرية تُحسم بمن يملك الصاروخ الأبعد مدى، بل بمن يعثر على الهدف أولاً وبدقّة تكفي للإطلاق. فمديات الصواريخ نمت نموّاً كبيراً خلال عقدين، بينما لم تواكبها قدرات الكشف والتصنيف على تلك المسافات، ما يعني أنّ جزءاً معتبراً من مخزون العالم من هذه الصواريخ لا يمكن استخدامه فعلياً عند مداه المعلن.

وموقع تركيا في هذه الصورة جدير بالانتباه. فصاروخ «أطمجة» الذي طوّرته «روكتسان» جرى تكييفه للقطع السطحية ولتشكيلة البطارية الساحلية معاً — أي المرونة نفسها بين البرّ والبحر التي أظهرتها روسيا بثنائي «باستيون» و«أوران». وعند الطرف الآخر من السلسلة، منح الاستثمار التركي الطويل في الطيران المسيّر خبرة عملية مبكّرة في ربط الحسّاسات مباشرةً بحلول الرمي. وفي زمن يصير فيه العنصر الحاسم بياناتٍ لا وزن رأس حربي، تزداد قيمة هذه الخبرة عمّا تُظهره أوراق المواصفات.

صاروخ أطمجة المضادّ للسفن
صاروخ «أطمجة» المضادّ للسفن من إنتاج «روكتسان». إتاحة السلاح نفسه من البطاريات الساحلية والسفن تمنح سلسلة الاستهداف مرونة معتبرة.

المصادر

  • ديفنس إكسبرس (en.defence-ua.com) — «روسيا تختبر كيف يمكن لمسيّرات فورپوست أن تجد أهدافاً لمنظومات باستيون والسفن المسلّحة بأوران»، 17 آب/أغسطس 2026
  • بيانات وزارة الدفاع الروسية بشأن المناورات، آب/أغسطس 2026
  • الصناعات الجوية الإسرائيلية — معلومات منتج «سيرتشر مارك 2»
  • ويكيبيديا — مواد: فورپوست (مسيّرة)، كيه-300 پي باستيون، پي-800 أونيكس، كيه إتش-35، كورفيت طراز نانوتشكا
  • روكتسان — صفحة صاروخ «أطمجة» المضادّ للسفن

أخبار ذات صلة

Bir Yorum Yazın

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Benzer Yazılar