بطاريات الشاطئ في مياه مفتوحة: الدفاع الساحلي والصواريخ المضادة للسفن في الخليج

ظلّ النقاش الخليجي حول التسلّح البحري منشغلاً لسنوات بالسفن الحربية — الكورفيتات والفرقاطات وسفن الدورية البحرية — بينما لم تحظَ البطاريات الساحلية القادرة على تهديد الملاحة دون أن تُبحر سفينة واحدة باهتمام تحليلي موازٍ. هذه الفجوة بدأت تضيق. فقد شكّلت منظومة الصواريخ الساحلية الإيرانية على طول مضيق هرمز محور ضربات وإجراءات مضادة متكررة خلال عام 2026، وهو ما رفع من حدّة اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي بفئة سلاح رخيصة نسبياً مقارنة بالسفينة الحربية، يصعب تعقّبها بعد تشتّتها، وقادرة على إغلاق أهم ممر نفطي في العالم دون إطلاق رصاصة واحدة من سفينة. واليوم، لا تملك سوى دولتين خليجيتين بطارية ساحلية متنقلة مخصصة لمكافحة السفن بالمعنى الذي يعترف به مخططو حلف الناتو؛ أما البقية فتعتمد على مخزون صواريخ موزّع على السفن والطائرات، أو على وجود قوات بحرية حليفة، لتغطية المحور نفسه من التهديد.
الملخص التنفيذي
تملك قطر أكثر منظومة دفاع ساحلي اكتمالاً في المنطقة: منظومة الدفاع الساحلي المتنقلة (MCDS) المبنية على صاروخي إكزوسيه MM40 Block 3 وMarte ER من إنتاج مجموعة MBDA الأوروبية، ضمن عقد قُدّرت قيمته بنحو 640 مليون يورو، ودُشّنت المنظومة لتغطية مقاربات القوات البحرية الأميرية القطرية. عُمان، من جانبها، طلبت صاروخ إكزوسيه MM40 Block 3 بتشكيلة مشابهة، لتصبح ثاني دولة خليجية تملك بطارية ساحلية مؤكدة. أما السعودية والبحرين والكويت فتحتفظ بصواريخ من عائلة إكزوسيه في مخزونها — والبحرين والكويت من بين نحو ثلاثين دولة حول العالم تشغّل نسخة من هذا الصاروخ — لكن لا توجد لدى أيٍّ منها وحدة بطارية ساحلية ثابتة ومؤكدة على غرار قطر أو عُمان؛ فقدرتها المضادة للسفن تتمركز أساساً على متن السفن والطائرات لا على اليابسة. أما الإمارات فقد استثمرت في صاروخ Marte Mk2/N منذ عام 2009 ووسّعت الطلب عام 2017، لكن بشكل رئيسي للاستخدام البحري والجوي (عبر المروحيات) لا لوحدة ساحلية ثابتة أو متنقلة. وفي مقابل هذه الصورة الإقليمية غير المتكافئة، يشهد السوق نفسه تنوّعاً متسارعاً: فصاروخ NSM المتنقل من كونغسبرغ النرويجية، ومنظومة Harpoon الساحلية من بوينغ الأميركية، ومنظومة “قارا آتماجا/بربروس” الحاوية من روكيتسان التركية، حصلت جميعها على عقود تصدير أو سعت إليها في أماكن أخرى من العالم خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما يمنح البحريات الخليجية خيارات أوسع من نمط الاعتماد شبه الحصري على إكزوسيه الذي ساد العقدين الماضيين.
السياق العملياتي
تحلّ البطارية الساحلية المضادة للسفن مشكلة مختلفة عن تلك التي تحلّها صواريخ الضربة البعيدة المحمولة على متن الكورفيتات والفرقاطات، وهو موضوع تناولته هذه السلسلة مباشرة في تقريرها عن مشتريات صواريخ أتماجا وهاربون وNSM وإكزوسيه للسفن الخليجية. فالصاروخ المحمول بحرياً يمدّد مدى سفينة يجب أولاً رصدها وتتبّعها، وقد تُستهدف في مضيق متنازع عليه قبل أن تتمكن من إطلاق النار. أما البطارية البرية فتزيل هذا الضعف بوضع منصة الإطلاق على شاحنة أو مقطورة قادرة على التشتت والتنقل والاختباء بين مواقع الإطلاق — وهو أسلوب مارسته القوات البحرية للحرس الثوري الإيراني لعقود عبر بطاريات صواريخ “نور” و”قادر”، المشتقة من التصميم الصيني C-802، والتي يُقال إن مداها يتراوح بين نحو 120 كم في النسخ الأساسية و200-300 كم في النسخ الممتدة، وهو مدى يكفي لتغطية عرض مضيق هرمز بأكمله تقريباً ومقاربات خليج عُمان من مواقع مموّهة على طول الساحل الإيراني. أما ضربات عام 2026 التي استهدفت مواقع صواريخ ساحلية إيرانية محصّنة، والتي أفادت التقارير باستخدام قنابل خارقة للتحصينات فيها ضد منشآت ثابتة، فتوضّح الدرس العملياتي الذي يستخلصه المخططون الخليجيون في الاتجاه المعاكس: البطارية التي لا تتحرك هي بطارية يمكن استهدافها بلا عجلة، وحتى البطارية المتنقلة إذا تركّزت في عدد محدود من المواقع المُجهّزة مسبقاً لا تقدّم سوى تحسّن محدود.
هذا هو السياق العقائدي الذي ينبغي أن تُقرأ من خلاله منظومة قطر وطلبية عُمان. فكلتا المنظومتين مبنيتان على منصات إطلاق متنقلة على عربات ناقلة-رافعة-مُطلِقة بدلاً من مواقع ثابتة، ما يتيح إعادة انتشار البطاريات على طول الساحل بين أوضاع التأهب المختلفة. ومنظومة قطر، التي سلّمتها MBDA ودُشّنت لتدخل الخدمة لدى القوات البحرية الأميرية القطرية، كانت أيضاً أول زبون عالمي لصاروخ Marte ER الممتد المدى، ما منح الدوحة عائلتي صواريخ فرنسية وإيطالية ضمن منظومة ساحلية واحدة — وهو تحوّط متعمّد ضد الاعتماد على مورّد وحيد، كما يتيح لبطاريات Marte ER الساحلية مشاركة نوع الصاروخ نفسه مع نسخة Marte ER الجوية التي بدأت تدخل الخدمة على مروحيات NH90 NFH القطرية، وهي منصة تناولها هذا التقرير الأسبوعي في عدده السابق عن الطيران البحري الخليجي وفجوة الحرب المضادة للغواصات. أما بالنسبة للسعودية والبحرين والكويت، فغياب وحدة بطارية ساحلية ثابتة ومؤكدة لا يعني غياب القدرة المضادة للسفن، لكنه يعني أن هذه القدرة تتركّز على سفن وطائرات يجب أن تكون حاضرة وسليمة لاستخدامها، لا على احتياطي بري موزّع يبقى فاعلاً حتى لو تعرّض الأسطول الراسي في الميناء للضرر.
التحليل المقارن
تشمل المنظومات أدناه الموردين الأوروبيين التقليديين ذوي الزبائن الخليجيين المؤكدين، والبديلين الرئيسيين المتنافسين حالياً على توسيع حصتهما التصديرية، والمنظومات الإيرانية التي تمنح هذه الفئة من السلاح إلحاحها الإقليمي.
| المنظومة | الجهة المصنّعة / المنشأ | منصة الإطلاق | المدى المُعلن | الباحث | الوضع الخليجي |
|---|---|---|---|---|---|
| إكزوسيه MM40 Block 3 | MBDA (فرنسا) | منصة متنقلة على عربة/مقطورة | نحو 180 كم | باحث راداري نشط | قطر (منظومة MCDS، في الخدمة)؛ عُمان (طلبية مؤكدة)؛ مخزون لدى السعودية والبحرين والكويت |
| Marte ER | MBDA (إيطاليا) | حاوية متنقلة برياً؛ ويُطلق أيضاً بحرياً وجوياً | نسخة ممتدة المدى، يفوق 100 كم | راداري نشط / تصوير بالأشعة تحت الحمراء | قطر أول زبون عالمي (MCDS وNH90 NFH)؛ الإمارات تملك نسخة Mk2/N القديمة |
| NSM الساحلي | كونغسبرغ (النرويج) | حاوية متنقلة برياً، قابلة للنقل بين الشاحنة والسفينة | نحو 185 كم | تصوير بالأشعة تحت الحمراء (باحث سلبي منخفض البصمة) | لا طلبية خليجية مؤكدة؛ في الخدمة لدى بولندا ورومانيا وبرامج دفاع ساحلي أخرى في الناتو |
| منظومة هاربون الساحلية | بوينغ (الولايات المتحدة) | منصة إطلاق محمولة على شاحنة HEMTT | 120-140 كم | باحث راداري نشط | لا طلبية خليجية مؤكدة؛ صُدّرت لتايوان (2023، نحو 2.3 مليار دولار مقابل 100 منصة إطلاق)، وسابقاً للدنمارك وكوريا الجنوبية |
| قارا آتماجا / منظومة بربروس الساحلية | روكيتسان (تركيا) | منصة إطلاق حاوية (20 أو 40 قدماً)، قابلة للنقل برياً أو بحرياً | يصل بحسب التقارير إلى نحو 400 كم | باحث راداري نشط | عُرضت في معرض IDEF 2025؛ متاحة للتصدير دون عقد خليجي مؤكد حتى الآن |
| عائلة نور/قادر (للسياق فقط، وليست خياراً للشراء الخليجي) | إيران، مشتقة من C-802 الصيني | منصة متنقلة، مواقع ساحلية مموّهة | نحو 120 كم (نور)؛ 200-300 كم (قادر) | ملاحي بالقصور الذاتي + راداري نشط | تشغّلها القوات البحرية للحرس الثوري الإيراني على طول مضيق هرمز، وهي التهديد الرئيسي المحرّك لاهتمام دول الخليج بهذه الفئة |
تبرز من هذه المقارنة ثلاث ملاحظات. أولاً، الثنائي إكزوسيه/Marte الذي اعتمدته قطر وعُمان هو الوحيد الذي يملك سجلاً تشغيلياً فعلياً في الخليج؛ بينما تبقى بقية المنظومات الغربية في الجدول مرشّحة معقولة لكن غير مؤكدة للمنطقة. ثانياً، تقنية الباحث تتباعد: فباحث NSM السلبي بالأشعة تحت الحمراء صُمّم خصيصاً لحرمان الخصم من الإنذار الراداري الذي قد يصدره صاروخ ذو باحث نشط كإكزوسيه أو هاربون في مرحلته الأخيرة، وهو اعتبار يزداد أهمية في مضيق مشبع بأصول الحرب الإلكترونية والمراقبة كهرمز أكثر مما هو الحال في عرض المحيط. ثالثاً، تلفت منصة الإطلاق الحاوية لمنظومة “قارا آتماجا/بربروس” ومداها المُعلن الانتباه لكونها توسّع دائرة الموردين الموثوقين إلى ما هو أبعد من المحور الفرنسي-الإيطالي والأميركي التقليدي، وإن كانت — كأي منظومة حديثة الكشف — تدخل الحسابات الخليجية دون المراجع التشغيلية التي يملكها كل من إكزوسيه وMarte وهاربون.
اعتبارات الشراء
أي دولة خليجية تدرس اقتناء بطارية ساحلية تختار أكثر من مجرد صاروخ؛ إنها تختار عقيدة قتالية. فالمواقع الثابتة أو المتناثرة قليلاً أرخص بناءً وأسهل حمايةً بأصول الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيّرة الموجودة أصلاً في المخزون الوطني — وهو ترابط تناولته هذه السلسلة في تقاريرها عن اقتصاديات الدفاع المضاد للطائرات المسيّرة متعدد الطبقات وعن تكامل قيادة وسيطرة الدفاع الجوي — لكن ضربات عام 2026 التي استهدفت المواقع الساحلية الإيرانية المحصّنة تذكّر بأن أي موقع، مهما كانت حمايته، يصبح هدفاً معروفاً بمجرد كشفه. أما التنقل البري الكامل، على غرار ما صُمّمت له منظومة قطر ومنظومتا NSM وهاربون الساحليتان، فيشتري قدرة على البقاء مقابل سلسلة بيانات استهداف أكثر تعقيداً: فالبطارية القادرة على تغيير موقعها كل ساعة تحتاج إلى اتصال آمن ومستمر بأي منصة استطلاع توجّهها، سواء كانت طائرة دورية بحرية، أو راداراً فوق الأفق، أو منصات الاستطلاع من فئة MALE/HALE التي تناولها هذا التقرير الأسبوعي في عدده السابق عن مشتريات الاستطلاع الخليجية.
يصعب مقارنة معايير التكلفة بشكل مباشر لأن العقود تجمع الصواريخ ومنصات الإطلاق والبنية التحتية بطرق مختلفة، لكن المرجعيات المتاحة مفيدة. فمنظومة قطر، التي تغطي نوعين من الصواريخ وبنية إطلاق وقيادة مرتبطة بهما، قُدّرت بنحو 640 مليون يورو؛ بينما بلغت قيمة طلبية تايوان عام 2023 لمنظومة هاربون الساحلية، مقابل 100 منصة إطلاق و400 صاروخ، ما يصل إلى 2.3 مليار دولار. لا يُترجم أيٌّ من الرقمين مباشرةً إلى احتياج دولة خليجية أصغر، لكنهما يشيران معاً إلى أن قدرة بطارية ساحلية ذات مصداقية — عدد كافٍ من منصات الإطلاق لدعم التشتت، إلى جانب مخزون ذخيرة عميق بما يكفي لتحمّل جولة تبادل أولى — هي برنامج يُقاس بمئات الملايين لا بعشرات الملايين من الدولارات، وهو عتبة على الأرجح أثّرت في سبب اعتماد السعودية والبحرين والكويت حتى الآن على الصواريخ البحرية والجوية المضادة للسفن بدلاً من إنشاء بطارية ساحلية مخصصة خاصة بها.
ثمة اعتبار إضافي خاص بمنطقة الخليج يتعلق بعمق مخزون الذخيرة قياساً بطول الساحل وعدد الممرات التي يجب على البطارية تغطيتها. فجغرافيا شبه جزيرة قطر تركّز احتياجها من الدفاع الساحلي حول محيط صغير نسبياً؛ في حين تدفع سواحل السعودية الأطول بكثير على الخليج والبحر الأحمر، وتعرّض الإمارات على جانبي الخليج ومضيق هرمز عبر شبه جزيرة مسندم، نحو خيارين: إما عدد أكبر من البطاريات، أو عقيدة تقبل تغطية جزئية معزّزة بأصول بحرية وجوية — وهو مفاضلة سيتعيّن على قرارات الشراء المقبلة لكل دولة حسمها صراحةً لا بالتقصير عنها.
الآفاق المستقبلية
المسار الأرجح خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة هو تنوّع تدريجي لا برنامج إقليمي ضخم واحد. فمنظومة قطر وطلبية عُمان تمنحان MBDA قاعدة مرجعية قوية للدفاع عن حصتها أمام الوافدين الجدد، لكن الحجة القائمة على الباحث السلبي لصالح NSM، والدفعة التصديرية الأوسع خلف النسخة الساحلية من هاربون — وكلاهما مدعوم الآن بعقود جديدة معلنة خارج المنطقة — تمنحان السعودية والبحرين والكويت خيارات حقيقية إذا ما قرّرت أيٌّ منها سدّ فجوتها الخاصة في البطاريات الساحلية. أما منظومة “قارا آتماجا/بربروس” من روكيتسان فتدخل هذه المنافسة من موقع متأخر، دون مرجعية خليجية ميدانية، وستتوقف آفاقها على إثبات المزيج نفسه من المدى وأداء الباحث والدعم اللوجستي الذي أبقى إكزوسيه وMarte في الخدمة الخليجية لعقد كامل. أما ما لا يُرجَّح تغيّره فهو المحرّك الأساسي: فطالما ظلّ مضيق هرمز ساحة نزاع، ستبقى البطارية البرية القادرة على تهديد الملاحة دون تعريض بدن سفينة للخطر من أكثر أدوات الدفاع الساحلي فعاليةً من حيث التكلفة المتاحة لأي دولة على جانبي الممر المائي، وستظل البحريات الخليجية التي لا تملك واحدة تُسأل، من مخططيها أنفسهم إن لم يكن من أحد آخر، لماذا لا؟
الأسئلة الشائعة
ما هي الدول الخليجية التي تشغّل حالياً بطارية ساحلية مخصصة لمكافحة السفن؟
قطر (إكزوسيه MM40 Block 3 وMarte ER ضمن منظومة الدفاع الساحلي المتنقلة) وعُمان (إكزوسيه MM40 Block 3) هما الدولتان الخليجيتان الوحيدتان المؤكد امتلاكهما بطارية ساحلية متنقلة قائمة. أما السعودية والبحرين والكويت فتحتفظ بصواريخ من عائلة إكزوسيه في مخزونها لكنها تعتمد أساساً على السفن والطائرات لاستخدامها.
لماذا تشكّل منظومة الصواريخ الساحلية الإيرانية عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء الخليجية؟
تشغّل القوات البحرية للحرس الثوري الإيراني صاروخي نور وقادر المضادين للسفن، المشتقين من الصاروخ الصيني C-802، من مواقع متنقلة ومموّهة على طول مضيق هرمز، بمدى مُعلن يتراوح بين نحو 120 و300 كم يكفي لتهديد الملاحة عبر المضيق وصولاً إلى خليج عُمان. واستمرار هذه القدرة رغم الضربات المتكررة على المواقع الثابتة خلال عام 2026 يمثّل مرجعاً أساسياً لدول مجلس التعاون الخليجي وهي تزن استثمارها الخاص في الدفاع الساحلي.
هل يوجد صاروخ دفاع ساحلي تركي ينافس على عقود خليجية؟
أُدمج صاروخ “قارا آتماجا” من إنتاج روكيتسان ضمن منظومة “بربروس” الساحلية الحاوية، التي عُرضت في معرض IDEF 2025 وطُرحت للتصدير بمدى مُعلن يصل إلى نحو 400 كم. وحتى منتصف عام 2026، لم تحصل هذه المنظومة على أي عقد خليجي مؤكد، وستتوقف آفاقها على إثبات السجل التشغيلي الذي بنته بالفعل منظومتا إكزوسيه وMarte في المنطقة.

