أستراليا تفتح صنبور الائتمان بـ3 مليارات دولار أمام صناعتها الدفاعية

أنشأت الحكومة الأسترالية أداة تمويل حكومية جديدة بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي (4.2 مليار دولار أسترالي) لفتح أبواب رأس المال أمام شركاتها الدفاعية. يحمل الكيان الجديد اسم «مرفق نمو الصناعة الدفاعية»، ويحل محل «صندوق التصدير الدفاعي» القائم منذ عام 2018 والذي ظل شبه معطّل. والفارق جوهري: الصندوق القديم لم يكن يموّل سوى التصدير، أما المرفق الجديد فيستطيع تمويل بناء المصانع في الداخل وتوسيع خطوط الإنتاج وتطوير قدرات جديدة.

في لمحة
- ما الذي حدث: أستراليا أطلقت «مرفق نمو الصناعة الدفاعية».
- الحجم: 3 مليارات دولار أمريكي، نحو 4.2 مليار دولار أسترالي.
- من يديره: هيئة تمويل الصادرات الأسترالية عبر «حساب المصلحة الوطنية».
- ماذا يستبدل: صندوق التصدير الدفاعي المؤسَّس عام 2018 بـ3.8 مليار دولار أسترالي.
- الأدوات: قروض، سندات، ضمانات، ومساهمات رأسمالية مباشرة.
- الفئة المستهدفة: الشركات الصغيرة والمتوسطة العاجزة عن الوصول السريع إلى التمويل.
- أوجه الاستخدام: فرص تصدير جديدة، توسيع المنشآت أو تحديثها، تطوير قدرات جديدة، تعزيز القدرة الصناعية السيادية.
- لماذا يهم: قوة متوسطة تعيد تعريف الصناعة الدفاعية من مسألة تشجيع تصدير إلى مسألة بنية تحتية رأسمالية.
لماذا فتحت كانبيرا الصنبور الآن؟
أعادت الحكومة الأسترالية، عبر الترتيب المعلن في الثامن والعشرين من آب/أغسطس، بناء الآلية التي تموّل بها الدولة شركاتها الدفاعية. الكيان الجديد هو «مرفق نمو الصناعة الدفاعية» بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي، أي نحو 4.2 مليار دولار أسترالي بالعملة المحلية. وستتولى إدارته هيئة تمويل الصادرات الأسترالية، وكالة ائتمان التصدير الرسمية في البلاد. والأهم أن المال لا يخرج من ميزانية الهيئة نفسها، بل من «حساب المصلحة الوطنية» حيث تتحمل الحكومة المخاطرة. بعبارة أوضح: الدولة تضع ثقلها خلف المعاملات ذاتها التي قررت المصارف التجارية أنها أشد خطراً من أن تُمسّ.
وليست المشكلة أسترالية الطابع. فالصناعة الدفاعية من أصعب القطاعات تمويلاً في العالم: دورات العقود طويلة، والتدفق النقدي متقطع، والضمانات المعروضة في الغالب معدات أحادية الغرض صُنعت لزبون واحد. وحين تُضاف إلى ذلك معايير الفرز البيئي والاجتماعي والحوكمي التي انتشرت في السنوات الأخيرة، ينسحب جزء واسع من سوق الإقراض ببساطة. والنتيجة جيل من الشركات يحمل طلبيات لا يملك ثمن تصنيعها.
ويقدّم وزير التجارة والسياحة دون فاريل المرفق بوصفه جواباً على تلك الفجوة، إذ قال: «مرفق نمو الصناعة الدفاعية يستجيب لاحتياجات قطاعنا الدفاعي». وأضاف أن الحكومة «تدعم شركاتنا الدفاعية عالمية المستوى كي تزدهر في الأسواق الدولية، وتوفّر في الوقت نفسه قدرات دفاعية سيادية في الداخل». أما وزير الصناعة الدفاعية بات كونروي فقد نقل التشديد عمداً من التصدير إلى الاكتفاء الذاتي قائلاً: «القدرة الدفاعية السيادية أمر جوهري لأمن بلدنا».
والتوقيت ليس محض مصادفة. فأستراليا تحمل في آن واحد ثلاثة أعباء صناعية ثقيلة: برنامج الغواصات ذات الدفع النووي ضمن شراكة «أوكوس»، ومنظومة بناء السفن البحرية المستمرة، ومسعى تصنيع الأسلحة الموجهة محلياً. ولا يمكن حمل أي منها بالمقاولين الرئيسيين وحدهم؛ إذ يتعين على الحلقة الثانية من سلسلة التوريد أن تنمو بالوتيرة نفسها، وهذه الحلقة الثانية هي المقصودة تحديداً بالمرفق الجديد.
لماذا تعطّل الصندوق القديم: ثلاثة قروض في ثماني سنوات
لفهم المرفق الجديد لا بدّ من العودة إلى عام 2018. فقد وضعت «استراتيجية التصدير الدفاعي» الأسترالية آنذاك هدف إدخال البلاد إلى قائمة أكبر عشرة مصدّرين للسلاح في العالم، وكان «صندوق التصدير الدفاعي» بقيمة 3.8 مليار دولار أسترالي ذراعها التمويلية. وكان يومها من أكثر حزم التمويل الدفاعي المدعومة حكومياً طموحاً في الإقليم.
غير أنه لم يعمل قط عند ذلك المستوى. فبحسب ديوان المحاسبة الوطني الأسترالي، ظلت المعاملات المنفَّذة متواضعة: 75 مليون دولار تمويلاً للمشتري لزوارق دورية بيعت إلى ترينيداد وتوباغو، و90 مليون دولار أسترالي لمنشأة تصنيع الرادارات التابعة لشركة «سي إي إيه تكنولوجيز» في كانبيرا، و10 ملايين دولار أسترالي لشركة «فيرّا» لشراء معدات رأسمالية. طاقة بمليارات الدولارات لم تُنتج سوى بضع مئات من الملايين في الإقراض. وتقرّ «استراتيجية تطوير الصناعة الدفاعية 2026» الصادرة في تموز/يوليو بهذه الحقيقة صراحة، واصفةً الصندوق بأنه ظل قاصراً عن الاستخدام منذ تأسيسه.
وكان الانسداد تعريفياً لا مالياً. فولاية الصندوق القديم اقتصرت على تمويل التصدير. لكن اللحظة الحاسمة في حياة شركة دفاعية نادراً ما تكون توقيع عقد التصدير؛ بل اللحظة التي يتعين عليها فيها بناء المصنع القادر على تنفيذ ذلك العقد. والشركة العاجزة عن تمويل المصنع لا تصل أصلاً إلى باب قرض التصدير. وإذا أُضيف إلى ذلك مسار تصعد فيه كل طلبات التمويل إلى موافقة وزارية، صار الأمر عملياً بعيد المنال أمام الشركات الأصغر.
ويستهدف المرفق الجديد الانسدادين معاً. فقد امتدت ولايته إلى ما وراء التصدير لتشمل القدرة الصناعية السيادية ومتانة سلسلة التوريد، ووعدت الحكومة بمسار أسرع وأكثر مرونة موجّه خصوصاً إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة. وما يُطرح ليس مالاً جديداً بقدر ما هو إعادة تعريف لأداة ظلت بلا استعمال — وفي اقتصاد الدفاع كثيراً ما يكون التعريف أشد أثراً من الرقم المعلن.

أربع أدوات: قروض وسندات وضمانات ومساهمة
أكثر ما يلفت النظر في المرفق من الناحية التقنية هو اتساع الأدوات التي يستطيع نشرها. فوكالة ائتمان التصدير التقليدية تفعل أمرين: تُقرض المشتري، أو تؤمّن مخاطر البائع. أما مرفق نمو الصناعة الدفاعية فيستطيع النزول إلى الميدان بأربع أدوات منفصلة: القروض والسندات والضمانات والمساهمة الرأسمالية المباشرة.
والمساهمة الرأسمالية هي البند الذي يغيّر الحساب كله. فإقراض شركة دفاعية والدخول شريكاً فيها حدثان مختلفان تماماً في الميزانية. الدَّين يزيد سوء الملاءة الائتمانية لشركة صغيرة مثقلة أصلاً بالالتزامات؛ أما رأس المال فيوسّع حقوق الملكية ويفتح لاحقاً باب الاقتراض من المصارف التجارية. كما أن الشركة التي تساهم فيها الدولة تبدو أقل خطراً في عين المستثمر الخاص — وهو بالضبط أثر «الاجتذاب» الذي تقول الحكومة إنها تسعى إليه.
أما بند الضمانات فيعالج عائقاً أقل حضوراً في النقاش لكنه حاسم في تصدير السلاح. إذ تشترط المناقصات الدولية عادةً «سند حسن أداء» بنسبة محددة من قيمة العقد، أي أن على المورّد تقديم أداة مصرفية يستطيع الزبون تسييلها إذا أخفق التسليم. وبالنسبة إلى شركة صغيرة، فإن إقناع مصرف بتجميد ذلك المبلغ أصعب في الغالب من الفوز بالمناقصة ذاتها. ووجود ضامن سيادي هو الشرط المسبق لدخول الشركات المتوسطة إلى البرامج الكبرى أساساً.
وتربط ذراع السندات المرفقَ بأسواق رأس المال. فاسترداد الاستثمارات الدفاعية قد يستغرق من سبع إلى عشر سنوات، ما يجعل تمويلها بائتمان مصرفي قصير الأجل خطأً بنيوياً؛ إذ يوقع عدم تطابق الآجال الشركةَ في اختناق نقدي في منتصف العقد. والسندات طويلة الأجل هي الأداة الصحيحة نظرياً، لكن الشركات الدفاعية الصغيرة نادراً ما تبلغ الحجم الذي يتيح لها الإصدار وحدها؛ وهنا تصبح وساطة الدولة هي ما يجعل هذا المسار قابلاً للاستعمال.
إلى أين يذهب المال: الأولويات الصناعية السيادية
سيتحدد ما يموّله المرفق بقائمة «الأولويات الصناعية الدفاعية السيادية» الواردة في «استراتيجية تطوير الصناعة الدفاعية 2026» الصادرة في الثاني من تموز/يوليو. فهذه القائمة تحدد القدرات التي ترى أستراليا وجوب امتلاكها إنتاجياً على أرضها في كل الظروف، وستعمل بوصفها مرشّحاً فعلياً في مسارات الموافقة.
وتضم القائمة سبعة عناوين: صيانة طائرات قوات الدفاع الأسترالية وإصلاحها وعمرتها وتحديثها؛ بناء السفن البحرية المستمر وإدامتها؛ إدامة منظومة القتال البري المشترك وتعزيزها؛ التصنيع المحلي للأسلحة الموجهة والذخائر المتفجرة؛ تطوير المنظومات ذاتية التشغيل ودمجها؛ دمج منظومات الوعي بميدان المعركة وإدارتها وتعزيزها؛ والاختبار والتقييم والاعتماد وضمان المنظومات.
ولا شيء من ذلك اعتباطياً. فكل عنوان يقابل النقطة التي تكون فيها أستراليا أشد انكشافاً جغرافياً: إلى متى تستطيع البلاد إعالة نفسها إذا قُطعت خطوط الإمداد الطويلة. ويعكس عنوان الأسلحة الموجهة تحديداً الدرس الذي لقّنته الحرب الأوكرانية كل الجيوش الغربية: في معركة حديثة تُقاس مخزونات الذخيرة بالأسابيع بينما تُقاس إقامة خط الإنتاج بالسنوات.
كما خصصت الاستراتيجية 80 مليون دولار إضافية لبرنامج «منح تطوير الصناعة الدفاعية». والعلاقة بين المنحة والمرفق مصممة كسُلّم: المنحة تُبقي التقنية غير الناضجة على قيد الحياة، والمرفق ينقل المنتج الناضج إلى الإنتاج المتسلسل والتصدير. وخلافاً لعادة «المنح في كل مرحلة» الشائعة في سياسات الصناعة الدفاعية، فإن هذا الفصل تصميم متماسك اقتصادياً.
مقارنة بين صندوق التصدير الدفاعي ومرفق نمو الصناعة الدفاعية
| البند | صندوق التصدير الدفاعي (2018) | مرفق نمو الصناعة الدفاعية (2026) |
|---|---|---|
| التأسيس | 29 كانون الثاني/يناير 2018 مع استراتيجية التصدير الدفاعي | 28 آب/أغسطس 2026 |
| الحجم | 3.8 مليار دولار أسترالي | 3 مليارات دولار أمريكي (~4.2 مليار أسترالي) |
| الولاية | تمويل التصدير حصراً | التصدير + القدرة السيادية + سلسلة التوريد |
| الأدوات | قروض بصفة رئيسية | قروض، سندات، ضمانات، مساهمة رأسمالية |
| الجهة المديرة | هيئة تمويل الصادرات الأسترالية | هيئة تمويل الصادرات (حساب المصلحة الوطنية) |
| السحوبات المعروفة | زوارق ترينيداد وتوباغو 75 مليون دولار؛ سي إي إيه تكنولوجيز 90 مليوناً؛ فيرّا 10 ملايين | لم تُعلَن بعد |
| الهدف الأول | دخول قائمة أكبر عشرة مصدّرين | وصول سريع للشركات الصغيرة، اكتفاء ذاتي |
| الإطار السياساتي | استراتيجية التصدير الدفاعي 2018 | استراتيجية تطوير الصناعة الدفاعية 2026 |
واجهة العرض: من «بوشماستر» إلى «غوست شارك»
لمعرفة سلة المنتجات التي سيلاحقها هذا المال، تكفي قراءة قائمة قدرات التصدير ذات الأولوية لدى «مكتب المبيعات الاستراتيجية الدفاعية الأسترالي»: مركبتا «بوشماستر» و«هوكاي» المحميتان، ومركبة «بوكسر» 8×8 للاستطلاع القتالي، ومدفع «إيه إس 9 هانتسمان»، ومركبة المشاة القتالية «إيه إس 21 ريدباك»، والطائرة القتالية غير المأهولة «إم كيو-28 إيه غوست بات»، وشبكة رادارات «جينداليه» فوق الأفق، ثم «غوست شارك» المركبة ذاتية التشغيل تحت الماء التي أُضيفت حديثاً باستراتيجية 2026.
ولا تزال «بوشماستر» عمود تلك القائمة. فالمركبة المقاومة للألغام التي تصنعها «تاليس أستراليا» في بنديغو طُوّرت أواخر تسعينيات القرن الماضي، وصارت المنصة التي تنقّلت بها القوات الأسترالية في العراق وأفغانستان. وقد بنى سمعتَها هيكلُها ذو القاع على شكل حرف V الذي يحرف طاقة الانفجار إلى الجانبين؛ وصُدّرت إلى هولندا واليابان وإندونيسيا ونيوزيلندا وجامايكا وفيجي، فيما أعادت الدفعات المرسلة إلى أوكرانيا اسمها إلى الواجهة.
أما «إم كيو-28 إيه غوست بات» فتمثّل طموحاً أسترالياً من طراز آخر. فهذه الطائرة القتالية غير المأهولة من فئة «الجناح الوفيّ»، المطوَّرة بقيادة «بوينغ أستراليا»، هي أول طائرة عسكرية تُصمَّم على الأرض الأسترالية منذ أربعينيات القرن الماضي. وببرمجيات استقلالية معززة بالذكاء الاصطناعي ومقدمة معيارية وبنية مصممة للعمل إلى جانب المقاتلات المأهولة، تشكّل «غوست بات» واجهة طموح كانبيرا لتكون مُدمِج منظومات لا مجرد مشترٍ.
و«غوست شارك» هي أحدث بنود القائمة وأكثرها إثارة للجدل. فهذه المركبة ذاتية التشغيل فائقة الحجم تحت الماء، التي طوّرتها «أندوريل أستراليا»، صُمِّمت لمهام الاستطلاع والمراقبة طويلة الأمد، وأدرجتها استراتيجية 2026 ضمن قدرات التصدير ذات الأولوية. والسماح بتصدير منظومة بحرية ذاتية التشغيل عتبة حساسة في أي نظام لضبط الصادرات؛ وعبور أستراليا لها يقول شيئاً عن اتساع هامش المخاطرة لديها.

سياسة صناعية في ظل «أوكوس»
أكبر ظل يخيّم على إعادة تشكيل أستراليا لآلية تمويلها الدفاعي هو «أوكوس». فامتلاك أسطول من غواصات الهجوم ذات الدفع النووي ضمن الشراكة الثلاثية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هو أغلى مشروع دفاعي في تاريخ البلاد. لكن الصعوبة الحقيقية ليست الكلفة، بل إبقاء قاعدة صناعية حيّة طوال العقود التي سيمتد إليها البرنامج.
فإدامة الغواصات النووية تتطلب حزمة كفاءات تكاد تكون غائبة في أستراليا: من تأهيل اللحام وتشغيل هيكل الضغط إلى التنظيم النووي والأمان الإشعاعي. ولا تتشكل هذه الحزمة إلا بنمو مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة في وقت واحد، وكلها اليوم تبحث عن تمويل. وتشديد المرفق على «متانة سلسلة التوريد» يصوّب مباشرة إلى هذه الحاجة.
والمنطق نفسه ينطبق فوق سطح الماء. فالفرقاطات من فئة «هانتر»، وبرنامج الفرقاطة متعددة الأغراض الذي فازت به «هانوا»، ومنظومة بناء السفن المستمرة، تَعِد بحمل عمل مستقر يمتد لعقود. وهذا الحمل المستقر يسهّل على المورّدين التخطيط، لكنه يطالبهم في المقابل باستثمار أولي كبير. والائتمان الحكومي يُوضَع بوصفه الجسر فوق تلك الفجوة.

قراءة من أنقرة
ستبدو الخطوة الأسترالية مألوفة لمن يتابع نقاش تمويل الصناعة الدفاعية في تركيا. فقد طبّقت تركيا فكرة التعامل مع الصناعة الدفاعية لا كبند في الموازنة بل كبنية تحتية رأسمالية دائمة العمل منذ عام 1985، عبر «صندوق دعم الصناعة الدفاعية» المؤسَّس بالقانون رقم 3238. وميزته الجوهرية كانت استقلاله عن مساومات الموازنة السنوية: إذ يتغذى بإيرادات مخصصة منتظمة تتيح له تقديم التزامات برامجية طويلة الأمد. وما تصفه كانبيرا اليوم بـ«التمويل المرن السريع» هو في جوهره المشكلة التي حلّها ذلك الهيكل.
والتوازي الثاني في تمويل الصادرات. فصعود الصادرات الدفاعية التركية خلال العقد الأخير لا يدين لجودة المنتج وحدها، بل كذلك لهياكل الائتمان والضمان التي يقدمها «بنك إكسيم بنك التركي» للدول المشترية؛ ففي مناقصات السلاح كثيراً ما يُحسم التنافس في جدول السداد قبل أن يُحسم في المواصفة الفنية. وتعكس الأرقام ذلك: فبحسب رئاسة الصناعات الدفاعية، ارتفعت صادرات تركيا الدفاعية والفضائية من 7.1 مليار دولار في 2024 إلى 10.054 مليار دولار في 2025، بزيادة نحو 48 في المئة.
على أن المشكلتين ليستا واحدة، والمقارنة المباشرة قد تُضلِّل. فأستراليا اقتصاد صغير الحجم لكنه عميق التمويل ويتمتع بتصنيف ائتماني سيادي مرتفع جداً؛ ومعضلته ليست إيجاد المال بل بناء الأداة التي تصرفه إلى الصناعة الدفاعية. أما قاعدة تركيا الصناعية فأوسع كثيراً من حيث تنوّع المنتجات وخبرة الإنتاج المتسلسل، فيما يتركز القيد التمويلي على شركاتها في الكلفة والآجال. البلدان ينظران إلى وجهين مختلفين للمشكلة نفسها.
والاتجاه هو ما يستحق الانتباه. فإغلاق «صندوق تصدير» وإحلال «صندوق نمو صناعي» محله علامة ملموسة على تحوّل نظرة القوى المتوسطة الغربية إلى الصناعة الدفاعية: لم يعد السؤال هل تستطيع أن تبيع، بل هل تستطيع أن تنتج في كل الظروف. وقد بلغت تركيا هذا الاستنتاج قبل أربعة عقود وبَنت مؤسساتها على أساسه. وما يعني أنقرة اليوم هو الأثر التنافسي لانتشار آليات مماثلة في أستراليا واليابان وأوروبا: فالدول المشترية ستقارن على نحو متزايد لا المنتج وحده، بل حزمة التمويل التي تقف خلفه.

ما الذي يجب مراقبته
سيُحكم على المرفق بحجم الشركات التي تحصل على سحوباته الأولى. فإذا تدفق المال مجدداً إلى المقاولين الرئيسيين والبرامج الكبرى، تكرّرت نتيجة 2018 حتماً. والاختبار الفعلي لخطاب الحكومة بشأن الشركات الصغيرة هو ما إذا كانت المدة بين الطلب والموافقة تُقاس بالأسابيع أم بالأشهر.
والسؤال الثاني هو كيفية استخدام أداة المساهمة الرأسمالية. فمساهمة الدولة في شركات دفاعية تثير سلسلة من المسائل الحساسة، من تقييم الحصص إلى استراتيجية الخروج. والإجابات ستحدد ما إذا كانت قوى متوسطة أخرى ستتعامل مع النموذج الأسترالي بوصفه قالباً يُحتذى.
المصادر
- Defence Industry Europe — إطلاق أستراليا حزمة تمويل بـ3 مليارات دولار (30 آب/أغسطس 2026)
- وزارة الدفاع الأسترالية — استراتيجية تطوير الصناعة الدفاعية 2026
- هيئة تمويل الصادرات الأسترالية — دعم المصدّرين الدفاعيين
- ديوان المحاسبة الوطني الأسترالي — تصميم استراتيجية التصدير الدفاعي وتنفيذها
- وكالة الأناضول — الصادرات الدفاعية والفضائية التركية تتجاوز عتبة 10 مليارات دولار

