تحت السطح: طائرات الهليكوبتر البحرية وفجوة مكافحة الغواصات في الخليج

تحت السطح: طائرات الهليكوبتر البحرية وفجوة مكافحة الغواصات في الخليج
عرض ملخّص المقال

تتوسع أساطيل دول الخليج السطحية بوتيرة أسرع من نمو أذرعها الجوية البحرية القادرة على رسم صورة موثوقة لما يجري تحت سطح الماء. فقد خصصت السعودية والإمارات وقطر والكويت عشرات المليارات من الدولارات خلال العقد الماضي لبناء فرقاطات وكورفيتات وسفن دورية جديدة، غير أن طائرات الهليكوبتر المخصصة لمكافحة الغواصات (ASW)، وهي الأداة التي تمد حساسات هذه السفن إلى عمق الماء، لا تزال البند الأصغر والأكثر تفاوتاً في برامج التحديث البحري بالمنطقة. ومع استمرار نشاط الغواصات الإيرانية القزمية من طراز “غدير” وغواصات “فاتح” في المياه الضحلة صعبة الاستكشاف الصوتي بالخليج ومضيق هرمز، تحوّلت الفجوة بين عدد الهياكل البحرية وقدرات الطيران المضاد للغواصات إلى واحدة من أكثر الثغرات دلالة في الوضع البحري الخليجي.

الملخص التنفيذي

لا تملك سوى دولتين من دول مجلس التعاون الخليجي اليوم طائرة هليكوبتر مصممة ومجهزة خصيصاً لمهام مكافحة الغواصات: السعودية، بعشر طائرات من طراز MH-60R Seahawk سُلّمت بموجب صفقة بيع عسكري خارجي أُبرمت عام 2015، وقطر، التي يتراكم أسطولها من طراز NH90 NFH التابع لشركة “ليوناردو” الإيطالية ساعات طيران منذ عام 2022 دعماً لكورفيتاتها من فئة الدوحة. أما الإمارات، فرغم أسطولها السطحي الحديث، فقد اعتمدت تاريخياً على طائرة AS565 Panther في مهام المراقبة البحرية والضربات الخفيفة أكثر من كونها تشكيلاً حقيقياً لمكافحة الغواصات، فيما يبقى الطيران البحري الكويتي أداة مساندة محدودة لخفر السواحل لا ذراعاً متخصصة في هذا المجال. والنتيجة هي منطقة يتركز فيها الوعي بالميدان تحت البحري في جناحين جويين فقط، لا يزالان في طور بناء خبرتهما التشغيلية، وذلك في وقت تصاعد فيه النشاط الغواصي الإيراني عقب نزاع عام 2026. يستعرض هذا التقرير المنصّات القائمة والمعروضة، والفارق بين حزمة الحساسات والتسليح التي تجعل من طائرة هليكوبتر أداة مكافحة غواصات حقيقية وبين طائرة مساندة بحرية عامة، إضافة إلى الخيارات المطروحة أمام دول الخليج لسد هذه الفجوة، سواء عبر مزيد من الاستيراد الغربي، أو الإنتاج المرخّص، أو انتظار خيارات محلية لم تنضج بعد.

السياق العملياتي

لا تُعد طائرة الهليكوبتر البحرية ملحقاً هامشياً لفرقاطة أو كورفيت حديث، بل هي الأداة الرئيسية لتحويل رصد غواصة إلى حل إطلاق فعلي يتجاوز مدى السونار المثبت على هيكل السفينة أو المقطور خلفها. فالسونار المتدلي الذي تُنزله الطائرة أثناء التحويم، مدعوماً بنمط من عوّامات الاستماع الصوتي (sonobuoys) وبتوجيه من طائرة دورية بحرية أو من حساسات السفينة نفسها، هو ما يحوّل رصداً سلبياً إلى حل إطلاق ضد غواصة ديزل-كهربائية أو قزمية تعمل ببطارياتها في مياه ضحلة، وهو بالضبط النمط الذي تعتمده غواصات “غدير” الإيرانية. فحتى السفن السطحية المزوّدة بسونارات هيكلية حديثة، كنظام “كابتاس” من “تاليس” المتغيّر العمق المعتمد في مشروع “طويق” السعودي، تواجه صعوبة في متابعة غواصة قادرة على الاستقرار ساكنة على قاع البحر في أعماق تتراوح بين 20 و40 متراً، وهو العمق السائد في معظم مياه الخليج.

في هذا السياق ينبغي قراءة توسع الأساطيل الخليجية. فسفن مشروع “طويق” السعودية الأربع، المبنية في حوض شركة “فينكانتييري” الأمريكي ضمن برنامج تُقدَّر قيمته بنحو 11.25 مليار دولار، وكذلك فرقاطات “الرياض” الأقدم، صُممت جميعها لتحمل طائرة هليكوبتر واحدة لمكافحة الغواصات، وهو الدور الذي جاءت طائرات MH-60R العشر المسلّمة منذ عام 2018 لتؤديه. وبالمثل، صُممت كورفيتات “الدوحة” وسفن الدورية “الزبارة” القطرية، المبنية أيضاً لدى “فينكانتييري”، لتشغيل طائرات هليكوبتر، حيث التزمت قطر بـ12 طائرة NH90 NFH إلى جانب 16 طائرة NH90 TTH للدعم البري، ضمن صفقة أوسع مع “ليوناردو” شملت أيضاً مركز عمليات بحرية. أما كورفيتات “بينونة” الإماراتية فتحمل منصة هبوط مخصصة لطائرة AS565 Panther العاملة أصلاً في الخدمة الإماراتية، غير أن هذه الطائرة في تشكيلها الإماراتي مُهيّأة للمراقبة السطحية والضربات الخفيفة أكثر من كونها مزوّدة بسونار متدلٍّ وطوربيدات كما هو حال MH-60R أو NH90 NFH، ولم تُؤكَّد علناً قدرة إماراتية مخصصة لمكافحة الغواصات بالمستوى نفسه. وتبقى تشكيلات الطيران البحري في الكويت والبحرين محدودة الحجم وموجَّهة لمهام خفر السواحل أكثر من عمليات المياه العميقة.

ويضفي ترتيب القتال الغواصي الإيراني إلحاحاً على هذه الفجوة. إذ يضم الأسطول الإيراني، المقدَّر بنحو 28 إلى 30 غواصة، ثلاث غواصات من طراز “كيلو” الروسي الصنع قادرة على دوريات أبعد مدى، وعدداً غير مؤكد من غواصات “فاتح” تقلّص بعد خسائر نُسبت إلى نزاع عام 2026، إضافة إلى نحو 20 غواصة قزمية من طراز “غدير” مصممة خصيصاً لعمليات الكمين وزرع الألغام في المياه الضيقة الضحلة، حيث تفقد أنظمة السونار الغربية الكبيرة جزءاً كبيراً من فاعليتها، بينما يحتفظ السونار المتدلي من طائرة معلّقة بميزة نسبية على الأنظمة المقطورة أو الهيكلية. وقد وثّقت تقارير عديدة انتشار زوارق “غدير” التابعة لسلاح البحرية في الحرس الثوري ضمن دوريات “الحزام الأمني البحري” في مضيق هرمز خلال عام 2026، بما يتسق مع استراتيجية إيرانية تقوم على منازعة السيطرة في مياه الخليج بأساليب غير متكافئة بدلاً من المواجهة السطحية المباشرة.

التحليل المقارن

تتفاوت المنصّات المتاحة أو العاملة بالفعل في الأساطيل الخليجية تفاوتاً كبيراً من حيث نضج الحساسات، وتكامل التسليح، والسند الصناعي. ويستعرض الجدول أدناه أبرز الأنواع ذات الصلة بمشتريات مكافحة الغواصات الخليجية الحالية أو المحتملة.

المنصةالحساس الرئيسيتسليح مكافحة الغواصاتالوضع في الخليجملاحظات
Sikorsky MH-60R Seahawkرادار AN/APS-147، سونار متدلٍّ ALFS، عوّامات استماعطوربيد Mk 54 خفيف، صواريخ Hellfire (ضد السطح)10 طائرات في خدمة القوات البحرية الملكية السعودية منذ 2018النوع الوحيد المجرَّب قتالياً والناضج حساسياً العامل حالياً تحت راية خليجية
Leonardo NH90 NFHرادار “ليوناردو”، سونار متدلٍّ FLASH، عوّامات استماعطوربيد MU90، صاروخ Marte ER المضاد للسفنقطر: 12 طائرة متعاقد عليها، والتسليم مستمر منذ 2022أحدث أسطول لمكافحة الغواصات في الخليج، ولا يزال في طور تراكم الخبرة التشغيلية
Airbus AS565 Panther (التشكيل الإماراتي)رادار بحث سطحي، منظومة كهروبصريةصواريخ جو-سطح؛ لا يوجد تأكيد لسونار متدلٍّ أو طوربيدفي خدمة البحرية الإماراتية على متن فئة “بينونة”دور مراقبة بحرية وضربات خفيفة؛ ليست بتشكيلها الحالي طائرة مكافحة غواصات حقيقية
Leonardo AW159 Wildcatرادار Seaspray، سونار متدلٍّ اختياريطوربيد Sting Ray (نسخ التصدير)، صواريخ Martlet وSea Venomعُرضت في معرض الدفاع العالمي بالرياض 2024؛ لا عقد خليجي مؤكدمطروحة تسويقياً في المنطقة دون عقد خليجي مؤكد حتى منتصف 2026
Sikorsky S-70B / SH-70 (تجميع تركي)معالجة رادار وعوّامات استماع؛ تكامل سونار متدلٍّ قيد التطوير حسب التقاريرطوربيد من فئة Mk 46/54 (مخطَّط له)غير موجودة في الخدمة الخليجية؛ مشغَّلة محلياً في تركيا فقطالسونار المحلي (HELOSON من “أسيلسان”) لا يزال قيد التطوير، ولم يُطرح بعد كحزمة تصدير لمكافحة الغواصات

تبقى الفجوة بين زوج MH-60R وNH90 من جهة، وبقية الأنواع المدرجة في الجدول من جهة أخرى، الحقيقة المحورية في طيران مكافحة الغواصات الخليجي. فكلا النوعين ناضج ومستمر الإنتاج، وحزمة حساساته مُختبرة في سياقات قتالية ضمن الخدمة الأمريكية وعدة مشغّلين أوروبيين، ويستفيد كلاهما من خطوط دعم لوجستي راسخة. أما طائرة AS565 Panther فتجسّد نمطاً أوسع في الطيران البحري الخليجي، إذ تُقتنى منصّات أساساً لمهام المراقبة السطحية والمهام الشرطية، تحمل منصة هبوط ملائمة لعمليات مكافحة الغواصات دون أن تُزوَّد بالسونار والطوربيد اللازمين لممارسة هذا الدور فعلياً. أما الحالة التركية المتمثلة في S-70B/SH-70 فتستحق الإشارة إليها بحقيقتها لا بما قد يُوحي به التسويق الإقليمي أحياناً؛ فهي هيكل طائرة مجمَّع بترخيص ويعمل محلياً لدى البحرية التركية، فيما لا يزال مكوّن السونار المتدلي المحلي (HELOSON) موصوفاً في خرائط الطريق الصناعية التركية بأنه قيد التطوير لا مُشغّلاً فعلياً، ولم تُطرح بعد أي حزمة تصدير مكافحة غواصات مؤكدة لأي زبون خليجي حتى منتصف 2026.

اعتبارات التعاقد والشراء

تواجه أي دولة خليجية تفكر في اقتناء إضافي لطائرات مكافحة الغواصات ثلاثة قرارات مترابطة لا خياراً واحداً بين منصّة وأخرى. القرار الأول يتعلق بالتوحيد النوعي للأسطول: فأسطول MH-60R السعودي القائم، إلى جانب طائرات عائلة “بلاك هوك” المساندة، يشترك في خط لوجستي وتدريبي مع البحرية الأمريكية، ما يقلّص الكلفة الحدية لتوسيع سرب مكافحة الغواصات، لكنه يربط الدعم اللوجستي بجداول برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية الأمريكي الذي تأخر في برامج خليجية أخرى حديثة سنوات عن مواعيد التسليم الأصلية. أما التزام قطر بـNH90 فيحمل معادلة معاكسة: قاعدة مستخدمين أصغر بين دول الخليج، لكن تكاملاً أوثق مع التحالف الصناعي الأوروبي الذي بنى كورفيتات “الدوحة” ومركز العمليات البحرية، إلى جانب استعداد “ليوناردو” لتجميع عقود الطائرة والسفينة والبنية التحتية البرية في صفقة واحدة، وهو خيار وجدته وزارات مالية خليجية عديدة جذاباً إدارياً حتى وإن لم يكن الأرخص بندًا ببند.

القرار الثاني يتعلق بحداثة الحساسات. فأي سونار متدلٍّ ونظام معالجة عوّامات استماع يُشترى اليوم سيُقيَّم بعد عقد من الآن في مواجهة تحسينات إيرانية في تخفيض الضجيج الصوتي للغواصات وإجراءات الإعاقة المضادة، وهو ما يرجّح كفة المنصّات ذات مسار تحديث برمجي وحساسي مستمر، معيار تستوفيه كل من MH-60R وNH90 NFH بفضل استثمار بحريتيهما الأم المتواصل، بينما يبقى على أي وافد جديد، تركياً كان أم غيره، إثبات ذلك عبر سونار مُشغَّل فعلياً وقابل للتصدير لا مجرد التزام على خريطة طريق.

القرار الثالث يتصل بمسألة الحجم بين الكورفيت والفرقاطة. فقد صُمم عدد من فئات سفن الدورية والكورفيتات الخليجية المفوّض بناؤها خلال العقد الماضي بمنصة هبوط للطائرة دون البنية التحتية اللازمة تحت السطح من صيانة ووقود ومناولة تسليح لتشغيل طائرة مكافحة غواصات كاملة، ما يعني أن جزءاً من الفجوة المرصودة هنا هو موروث من قرارات بناء سفن سابقة لا مشكلة يمكن حلّها بشراء طائرات وحده. وقد بدأت دول خليجية تحدد اليوم متطلبات فئات كورفيتات وفرقاطات جديدة، بما فيها طلبات إضافية محتملة من فئة “طويق” قيد النقاش في الرياض، إلى جانب تصاميم مشتقة من “غاويند” أو “ميكو” في أماكن أخرى بالمنطقة، بإدراج التكامل الكامل مع طائرة مكافحة الغواصات ضمن المتطلبات الأركانية منذ البداية، وهو تصحيح سيستغرق ظهور نتائجه دورة بناء سفن كاملة.

الخلاصة والتوقعات

يبدو المسار الأرجح في المدى القريب تدريجياً لا تحوّلياً. فمن المتوقع أن يتوسع أسطول MH-60R السعودي بالتوازي مع تسليم سفن فئة “طويق” حتى نهاية العقد الحالي، فيما سيواصل سرب NH90 NFH القطري تراكم ساعات الطيران وخبرة الأطقم مع نضج أسطوله من الكورفيتات، وكلاهما مسار يُقاس بالسنوات لا بإعلان تعاقد واحد. أما الإمارات فتمثّل السؤال الأكثر انفتاحاً: أسطول سطحي يتوسع بوتيرة أسرع من قدرتها المؤكدة في مكافحة الغواصات جواً، وقرار لم يُعلَن بعد بشأن تحويل أسطول Panther أو استكماله بنوع مخصص لهذه المهمة. وسواء رجحت الكفة لصالح طلبية إضافية من MH-60R، أو عقد لطائرة AW159 Wildcat التي واصلت “ليوناردو” الترويج لها في معارض الرياض المتعاقبة، أو انتظار عرض تركي أنضج بعد أن يُثبت سونار HELOSON من “أسيلسان” وتكامله على متن السفن جدارته فعلياً لا إعلانياً فقط، سيبقى المحرك الأساسي واحداً: القوة الغواصية الإيرانية في المياه الضحلة لن تختفي، والفرقاطة التي لا تملك طائرة هليكوبتر قادرة على العثور عليها ليست، من منظور مكافحة الغواصات، سوى نصف سفينة.

Bir Yorum Yazın

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Benzer Yazılar