الجيش الأمريكي يطوي كتيبة المسيّرات التي أنشأها ليتعلّم من أوكرانيا

قبل أن يكتمل عامها الأول، يطوي الجيش الأمريكي الكتيبة التي أنشأها ليتعلّم كيف تقاتل أوكرانيا بالمسيّرات. كتيبة الاقتحام المسيّرة، وقوامها نحو ستمئة جندي، ستُنهي تمرينًا متعدّد الجنسيات في أيلول/سبتمبر ثم تعود كتيبة مشاة محمولة جوًا كسائر الكتائب. ويقف القرار في توتر ظاهر مع خطاب البنتاغون عن «الهيمنة الأمريكية في المسيّرات»، وهو ما جعل واشنطن تقرؤه ردّة فعل مؤسسية أكثر منه خلاصة عقائدية.
في لمحة
- ما الذي جرى؟ الجيش الأمريكي يُنهي تجربة كتيبة الاقتحام المسيّرة التي شُكِّلت لاستيعاب دروس حرب المسيّرات في أوكرانيا.
- أين؟ شُكِّلت داخل اللواء 173 المحمول جوًا التابع للقيادة الأمريكية في أوروبا وأفريقيا، وتدرّبت أيضًا في ميدان بيموفو بيسكي في بولندا.
- متى؟ كُلِّفت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وشُكِّلت مطلع 2026، وتُطوى بعد تمرين «سيبر جنكشن» في آب–أيلول 2026.
- كم عددها؟ نحو ستمئة جندي.
- من اتخذ القرار؟ رئيس أركان الجيش بالوكالة الجنرال كريستوفر لانيف.
- من أنشأها؟ رئيس الأركان السابق الجنرال راندي جورج وقائد القيادة الأوروبية–الأفريقية السابق الجنرال كريستوفر دوناهيو — وكلاهما غادر منصبه.
- لماذا يهمّ؟ السؤال الكامن — هل الحرب المسيّرة صنفٌ متخصّص أم عتادٌ تحمله كل حظيرة؟ — سؤال تواجهه كل الجيوش الحديثة اليوم.

تجربة لم تبلغ عامها الأول
جرّب الجيش الأمريكي طريقًا غير مألوف: أخذ كتيبة مشاة محمولة جوًا ووجّهها بكاملها نحو المنظومات غير المأهولة. لم تكن مهمّتها القتال بالمعنى التقليدي، بل التعلّم؛ أن تدرس كيف تبني أوكرانيا وحدات مسيّرات متفرّغة، وكيف تعيلها، وأي أخطاء دفعت ثمنها بالفعل، ثم تعيد هذه الدروس إلى عقيدة الجيش وبرامجه التدريبية وقوائم تسليحه.
كان المنطق سليمًا على الورق. فما جرى على الجبهة الأوكرانية منذ 2022 لا يشبه شيئًا من خبرة القرن العشرين القتالية. طائرة تُقاد بالرؤية الأولى، مركّبة من قطع تجارية بمئات الدولارات، صارت قادرة على تدمير مدرّعة تساوي ملايين. وجيشٌ يعاني شحّ قذائف المدفعية يسدّ الفراغ بالمسيّرات. هذا لا يُتعلَّم من كتاب؛ يُتعلَّم ممّن يمسك الخط به.
لكن عمر الكتيبة لم يتناسب مع ثقل ما أُسند إليها. كُلِّفت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وشُكِّلت فعليًا مطلع 2026، وستسلّم حصيلة عام كامل خلال تمرين «سيبر جنكشن» المتعدّد الجنسيات الممتد حتى أيلول/سبتمبر، ثم «تعود إلى مهامها القتالية الأساسية ككتيبة مشاة محمولة جوًا».
الإطار الرسمي لا يتحدث عن إخفاق بل عن «تجربة اكتملت». ويقول الجيش إن المعرفة ستتدفّق إلى القوة عبر فرقة عمل مستقلة معنيّة بدروس أوكرانيا. غير أن المسافة في الجيوش الكبيرة بين تقرير الدروس وتغيير هيكل القوة تُقاس عادةً بالسنوات لا بالأشهر.
من أنشأها ومن يطويها؟
أكثر ما يثير القلق في هذه القصة ليس التبرير بل هويّة أصحاب القرار. فالضابطان اللذان دافعا عن إنشاء الكتيبة — رئيس أركان الجيش آنذاك الجنرال راندي جورج، وقائد القوات الأمريكية في أوروبا وأفريقيا الجنرال كريستوفر دوناهيو — خارج منصبيهما اليوم، بين إقالة وإحالة مبكرة إلى التقاعد.
أمّا من يطويها فهو رئيس الأركان بالوكالة الجنرال كريستوفر لانيف. ويتحدّث مسؤولون لوسائل إعلام أمريكية عن توتر متراكم بينه وبين الجيل السابق من القيادة، ومن حلقاته المعروفة انتهاء قيادته للفرقة 82 المحمولة جوًا قبل موعدها.
هذه التفصيلة ليست ثرثرة جانبية. فما إذا كان القرار التنظيمي وليد نقاش عقائدي أم تصفية حسابات داخلية يحدّد مدى رسوخه. القرارات العقائدية تُدافَع عنها بالبيانات وتُنقَض بالبيانات، أمّا القرارات النابعة من خصومات شخصية فتعود إلى الطاولة مع أول تغيير في القيادة — والزمن الضائع بينهما هو أصعب الخسائر تعويضًا في ميدان بهذه السرعة.
وقول وزير الجيش دان دريسكول إنه «لم يتحدّث إلى شخص واحد قال إن علينا ألّا نتعلّم ممّا يجري في أوكرانيا» يوضّح المسألة: لا أحد في القمة يجادل في مبدأ التعلّم. الجدل يدور حول الشكل التنظيمي الذي يتمّ به.

ماذا تعني حجّة «أساسيات الجندية»؟
حجّة لانيف، مقروءةً وحدها، قابلة للدفاع. فقد شدّد على أن الجيش يجب أن يكون قادرًا على «مواجهة أعداء يستخدمون أسلحة بعيدة المدى، بما فيها المنظومات غير المأهولة وأسلحة الدمار الشامل»، مع الحفاظ على «أساسيات الجندية» و«المهارات التكتيكية للوحدات الصغيرة».
ليس هذا موقفًا مناهضًا للمسيّرات، بل موقف مناهض للانغلاق داخل صومعة. وخلاصة الحجّة أنه إذا حُبِست الخبرة غير المأهولة داخل كتيبة واحدة، فستعتبر بقية وحدات المشاة الأمر «شأن غيرها» ولن تبني المهارة بنفسها. وفي القتال الحديث تحتاج كل حظيرة إلى تحليق مسيّرتها الاستطلاعية، وإيجاد أهدافها، وإسقاط مسيّرة الخصم. والوحدة المتخصّصة قد تصبح أكثر الذرائع راحةً لعدم توزيع القدرة أصلًا.
وفي النقطة نفسها يكمن الضعف. فتوزيع القدرة مشروط بوجودها بكمّيات كافية. وقد قال توجيه وزير الدفاع بيت هيغسيث في تموز/يوليو 2025 صراحةً إن الوحدات الأمريكية «ليست مجهّزة بالمسيّرات الصغيرة الفتّاكة التي تتطلبها ساحة المعركة الحديثة». ومن التشخيص ذاته وُلد الأمر التنفيذي الصادر في حزيران/يونيو 2025 بشأن إطلاق الهيمنة الأمريكية في المسيّرات.
فالمعادلة إذًا: تُغلَق الوحدة المتخصّصة لأن القدرة يجب أن تسكن القاعدة، بينما القدرة المفترض أن تسكن القاعدة لم تصل بعد بالكامل. وإزالة أحد العمودين قبل بناء الآخر مخاطرة توقيت لا انتصار عقائدي.
النموذج الأوكراني: 2% من القوة و35% من التدمير
بينما تتجادل واشنطن، عمّق الطرف المدروس نموذجه. فقد جعلت أوكرانيا المنظومات غير المأهولة صنفًا مستقلًا عام 2024 باسم قوات المنظومات غير المأهولة، وأطلقت مطلع 2025 مشروع «خط المسيّرات» الذي وضع وحدات متفرّغة على أشدّ محاور الجبهة اشتعالًا.
وأبرز ثمار هذا الهيكل اللواء 414 «طيور ماغيار»، المنسوب إلى الاسم الحركي لقائده روبرت بروفدي، والذي وُسِّع إلى اثنتي عشرة كتيبة أواخر 2025. وقد أصابت مسيّرة رؤية أولى موجَّهة بالألياف الضوئية — من النوع الذي يجرّ خلفه كيلومترات من كابل رفيع ليبقى محصّنًا ضد التشويش — دبابة روسية داخل حظيرة على بعد 42 كيلومترًا خلف خط التماس. مثال واحد، لكنه بليغ: لم تعد القدرة سلاح خطوط تماس، بل تبلغ عمق الإسناد اللوجستي.
ووفق تقدير لهيئة الأركان الأوكرانية أواخر 2025، شكّلت قوات المنظومات غير المأهولة نحو 2% من قوام القوات المسلحة الأوكرانية، بينما كانت مسؤولة عن نحو 35% من الخسائر التي لحقت بالأفراد والعتاد الروسي. وهذه النسبة أقوى حجّة مفردة لصالح نموذج الوحدة المتخصّصة.
لكن نقلها كما هي إلى الجيش الأمريكي مضلّل. فاتّكاء أوكرانيا على المسيّرات بهذا القدر كان اضطرارًا بقدر ما كان خيارًا: شحّ قذائف المدفعية، وغياب التفوّق الجوي، والقيود السياسية على الذخائر بعيدة المدى، كلّها فرضت سدّ الفراغ بحلّ رخيص وقابل للتصنيع محليًا. أمّا جيش يملك مخزون مدفعية وطيرانًا تكتيكيًا وصواريخ جوّالة فلا يُتوقّع أن تظهر لديه النسبة نفسها.

روسيا سلكت الطريق نفسه: «روبيكون»
الطرف الأكثر غيابًا عن هذا الجدل هو روسيا. ففي آب/أغسطس 2024 أنشأت موسكو مركز «روبيكون» للتقنيات غير المأهولة المتقدّمة، وجمعت فيه أمهر مشغّليها، ثم صارت تدفع مفارز مختارة منه إلى المحاور ذات الأولوية.
أي أن ضفّتَي الجبهة التقتا، بصيغتين مختلفتين، عند نموذج التنظيم المتخصّص. والولايات المتحدة تتحرك اليوم في الاتجاه المعاكس. لا يجعل هذا القرار الأمريكي خاطئًا بالضرورة — فموارد الجيش الأمريكي وتفوّقه الجوي وسلسلة الاستشعار–الإصابة لديه تختلف كليًا عن الحالة الأوكرانية — لكنه يسير عكس ما تشير إليه خبرة الجبهة، وعبء الإثبات ينبغي أن يكون أثقل تبعًا لذلك.
ويمثّل الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس القطب المقابل في الجدل، إذ يرى أن على الجيوش أن تلغي الكتائب المدرّعة وتستبدل بها كتائب مسيّرات. وهو النقيض التام لما قرّره الجيش الأمريكي للتوّ، ممّا يوضح اتساع المدى الذي ما زال النقاش يتحرك داخله.
صومعة أم عمود فقري؟ جوهر المسألة
جوهر المسألة في علم التنظيم لا في التقنية. فالجيوش، حين استوعبت قدرة جديدة عبر التاريخ، سلكت أحد طريقين.
الأول إنشاء صنف مستقل. فمع الدبابة وُلدت التشكيلات المدرّعة، ومع الطائرة وُلدت القوات الجوية، ومع المروحية وُلد طيران الجيش. والصنف المستقل يمنح القدرة الجديدة بندًا ماليًا خاصًا ومسارًا وظيفيًا ومدرسةً ومركز عقيدة، فتنضج التقنية سريعًا.
والثاني التوزيع العضوي. وهكذا مرّ اللاسلكي ونظّارات الرؤية الليلية والمناظير: لم يُنشَأ «صنف لاسلكي»، بل نزل الجهاز إلى كل وحدة. يعمّم هذا الطريق القدرة على القوة كلها لكنه يبطئ نضجها.
والمنظومات غير المأهولة اليوم تنطبق عليها الصفتان معًا. فمسيّرة استطلاع رباعية صارت عاديّة كالمنظار، بينما مسيّرة هجومية موجَّهة بالألياف الضوئية تبلغ أربعين كيلومترًا خلف الخط سلاحٌ يطلب خبرةً خاصة وسلسلة قيادة خاصة. والجواب الصحيح على الأرجح «كلاهما»: الصغير إلى الحظيرة، والمعقّد بعيد المدى إلى وحدة متخصّصة. وقرار الجيش الأمريكي يبدو أنه اختار طرفًا واحدًا دون رسم هذا الفاصل.
| النموذج | كيف نُظِّم؟ | نقطة القوة | نقطة الضعف |
|---|---|---|---|
| أوكرانيا قوات المنظومات غير المأهولة | صنف مستقل أُنشئ عام 2024، ثم مشروع «خط المسيّرات» عام 2025 الذي وضع ألوية متفرّغة على أشدّ محاور الجبهة اشتعالًا | تخصّص عميق ودورة تعلّم سريعة واتصال مباشر بالصناعة | احتكاك مع وحدات المناورة التقليدية وتنافس على الموارد الشحيحة |
| روسيا مركز «روبيكون» | مركز مُركزي للتقنيات غير المأهولة المتقدّمة أُنشئ في آب/أغسطس 2024، ويدفع مفارز مختارة إلى المحاور ذات الأولوية | يجمع أمهر المشغّلين تحت سقف واحد وينشر التكتيك بسرعة | قاعدة ضيّقة؛ تبقى القدرة سطحية خارج المركز |
| النموذج الأمريكي المُنتهي كتيبة الاقتحام المسيّرة | كتيبة مشاة محمولة جوًا خُصِّصت بكاملها للمنظومات غير المأهولة نحو عام واحد | تراكم الذاكرة المؤسسية التي تكتب العقيدة في مكان واحد | مؤقتة بطبيعتها؛ وبانتهاء التجربة يتبدّد الكادر والمعرفة |
| النموذج الأمريكي المُفضَّل التوزيع العضوي | إنزال المنظومات الصغيرة إلى كل حظيرة وسرية بدل حصرها في وحدة متخصصة | انتشار القدرة في عموم القوة دون وحدة تشكّل عنق زجاجة | تبقى حبرًا على ورق إن لم يواكبها التوريد والتدريب |
| تركيا نموذج هجين | قواعد وأسراب مخصّصة لمنصّات الارتفاع المتوسط وطويلة التحليق، إلى جانب منظومات صغيرة وذخائر متسكّعة داخل الوحدات | تُغذَّى الطبقة الاستراتيجية والتكتيكية كلٌّ على حدة | ربط الطبقتين بيانيًا وقياديًا يتطلب صيانة دائمة |
الجدول: إعداد إنفانتر ميديا استنادًا إلى تقارير مفتوحة المصدر.
الخطر غير المرئي: من يملأ الفراغ؟
حين تُطوى وحدة، فالمفقود ليس الكادر بل التراكم. فستمئة جندي أمضوا عامًا متفرّغين للمنظومات غير المأهولة، على تماسّ مع نظرائهم الأوكرانيين، ودوّنوا أخطاءهم بأنفسهم، سيتوزّعون في أيلول/سبتمبر على مهام أخرى — وينضغط ذلك العام كله في تقرير تمرين من ثلاثين صفحة. التقارير تُؤرشَف، أمّا ردود الفعل فلا تعيش إلا في بشر يُبقَون معًا.
والخطر الثاني صناعي. فجواب سؤال «من سيشتري؟» لدى منتجي المنظومات الصغيرة مرهون بوجود وحدة زبون محدّدة على الطاولة المقابلة. كانت الكتيبة إشارة طلب وحلقة تغذية راجعة سريعة في آن. وبزوالها تعود الحلقة إلى سرعة بيروقراطية التوريد المعتادة.
والثالث، وهو الأهم، التوقيت. ففي هذا الميدان يُقاس منحنى التعلّم بالأشهر، ويُقاس عمر أسلوب تشويش في أوكرانيا بالأسابيع. وإغلاق تجربة عمرها عام مع وعدٍ بنشر الدروس لاحقًا يعني إبطاء الساعة المؤسسية في المجال الأقل احتمالًا لذلك.

تناقض مع أهداف البنتاغون نفسه
يبدو القرار أكثر إثارةً للجدل حين يوضع بجوار الخطاب الذي تبنّته القيادة الدفاعية الأمريكية عامين كاملين. فمبادرة تحوّل الجيش لعام 2025 وضعت المنظومات غير المأهولة في قلب التحديث، والأمر التنفيذي وتوجيه وزارة الدفاع الصادران في العام نفسه وصفا إنزال المسيّرات الصغيرة إلى مستوى الوحدة بأنه أمر عاجل.
الوثائق الثلاث تشير إلى الاتجاه ذاته: مسيّرات أكثر، أسرع، وأدنى في السلّم. وإغلاق الكتيبة المتخصّصة ينسجم مع هذا الاتجاه فقط إذا أمكن القول إن القدرة نزلت إلى القاعدة إلى حدّ يجعل الوحدة المتخصّصة زائدة. وبيانات التسليح الميدانية لا تسمح بهذا القول بعد.
ولهذا يُقرأ القرار في واشنطن لا بوصفه «نضجًا للعقيدة» بل بوصفه «عودة للردّة المؤسسية». ففي الجيوش الكبيرة تكون الوحدات التجريبية أول ما يُغلَق حين يرحل رعاتها، لأن أضعف بند في أي ميزانية هو البند الذي لم يبنِ جمهوره الخاص بعد.
كيف أجابت تركيا عن السؤال نفسه مبكرًا
السؤال الذي تتجادل حوله واشنطن — صنف متخصّص أم عتاد حظيرة — حُسم في تركيا في وقت أبكر بكثير، وحُسم بصيغة هجينة.
فقد بنت القوات المسلحة التركية قواعد مخصّصة وكوادر خاصة وثقافة تشغيل متمايزة حول منصّات الارتفاع المتوسط وطويلة التحليق. وتقع منصّات مثل بيرقدار TB2 وأقنجي داخل تنظيمات متخصّصة لها ملاكاتها من المشغّلين وخبراء حمولات المهمة. وفي المقابل أُدخلت المنظومات التكتيكية الصغيرة والذخائر المتسكّعة مثل كارغو وألباغو إلى عهدة الوحدات. أي أن الصومعة والتوزيع العضوي سارا معًا.
ولم يأتِ هذا الفصل بتصميم مسبق بقدر ما جاء بحكم الظروف. فالخبرة التركية في المنظومات غير المأهولة وُلدت من قيود التصدير في مطلع العقد الثاني من الألفية: حين تعذّر شراء المنظومات المسلّحة من الخارج صار الإنتاج المحلي إلزامًا، ونضج التنظيم مع التقنية لا بعدها. وهنا يكمن الفارق البنيوي بين جيش يشتري القدرة ثم يسأل من يشغّلها، وجيش ينمّي القدرة والتنظيم معًا.
والدرس النافع لأنقرة أن أي جواب من هذا النوع لا يبقى محسومًا. فالمسيّرات الهجومية الموجَّهة بالألياف الضوئية، والأسراب، والدفاع ضد المنظومات غير المأهولة — وهي الطبقة المجموعة تحت معمارية «القبة الفولاذية» — ستعيد فتح سؤال التنظيم من جديد. إنه قرار تُجبَر الجيوش على اتخاذه مع كل موجة تقنية.

ماذا بعد؟
على المدى القصير الصورة واضحة: تُنهي الكتيبة التمرين في أيلول/سبتمبر، وتسلّم حصيلتها، وتعود إلى مهمة المشاة المحمولة جوًا. وتواصل فرقة عمل دروس أوكرانيا عملها، أي أن قناة التعلّم لا تُغلق بالكامل، بل تُزال منها الحلقة الأقرب إلى خبرة الجبهة.
وعلى المدى المتوسط، المعيار هو سرعة وصول المنظومات الصغيرة إلى عهدة الوحدات. فإن شاعت مسيّرات الاستطلاع والهجوم على مستوى الحظيرة خلال عام، بدا قرار اليوم «تطبيعًا حسن التوقيت». وإن لم تشع، يكون الجيش الأمريكي قد أغلق أسرع قنوات تعلّمه قبل الأوان.
وعلى المدى البعيد يتحوّل السؤال إلى مدى قدرة تبدّل القيادات على تحريف العقيدة. ففي ميدان بهذه السرعة، يصبح الاستقرار المؤسسي موردًا لا يقلّ ندرةً عن التفوّق التقني، وهو أصعب في التوريد من أي منظومة سلاح.
المصادر
- ديفنس نيوز — «الجيش الأمريكي ينهي كتيبة المسيّرات التجريبية في أوروبا»، 21 آب/أغسطس 2026
- سي بي إس نيوز — «الجيش الأمريكي يتحرك لإنهاء كتيبة المسيّرات التي أُنشئت لاستيعاب دروس حرب أوكرانيا»، آب/أغسطس 2026
- آرمي ريكوغنيشن — «الجيش الأمريكي يحلّ كتيبة المسيّرات المخصّصة رغم نجاح أوكرانيا الميداني الأخير»، 24 آب/أغسطس 2026
- بريكينغ ديفنس — تغطية مبادرة تحوّل الجيش وسياسة البنتاغون للمنظومات غير المأهولة، 2025–2026
- قوات المنظومات غير المأهولة الأوكرانية وموقع ميليتارني — نشرات عمليات اللواء 414
- وزارة الدفاع الأمريكية — مذكّرة «إطلاق الهيمنة الأمريكية العسكرية في المسيّرات»، تموز/يوليو 2025

