بأي وتيرة تُستهلك قذائف عيار 155 ملم في الحرب الحديثة؟

بأي وتيرة تُستهلك قذائف عيار 155 ملم في الحرب الحديثة؟
عرض ملخّص المقال

الحرب المدفعية عالية الكثافة تستهلك قذائف عيار 155 ملم بمعدل يفوق بأضعاف ما صُمّمت مصانع زمن السلم لتغطيته. ففي أوكرانيا، تراوح الاستهلاك اليومي من هذا العيار بين نحو 2,000 و7,000 قذيفة بحسب مرحلة القتال، في حين لم يتجاوز الإنتاج الأمريكي والأوروبي مجتمعاً بضع مئات الآلاف من القذائف سنوياً حتى عام 2022. هذه الفجوة هي ما دفع دول الناتو إلى تنفيذ أكبر عملية تحويل صناعي من إنتاج زمن السلم إلى إنتاج زمن الحرب منذ الحرب الباردة. وبالنسبة لدول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، التي راكمت في السنوات الأخيرة صفقات ضخمة لمنظومات مدفعية غربية، فإن هذا الاختناق يحمل دلالة مباشرة: طوابير الانتظار الطويلة لعقود الذخيرة أصبحت جزءاً من معادلة أي صفقة تسليح جديدة.

ما وتيرة استهلاك الذخيرة على الجبهة؟

صرّح الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في فبراير 2023 بأن القوات الأوكرانية كانت تطلق نحو 6,000 إلى 7,000 قذيفة عيار 155 ملم يومياً، أي نحو ثلث المعدل اليومي الروسي آنذاك. وأضاف أن وتيرة استهلاك أوكرانيا للذخيرة “تفوق بأضعاف” وتيرة إنتاج دول الحلف، وأن مدة انتظار عقود الذخيرة الثقيلة ارتفعت من 12 إلى 28 شهراً. ومع حلول 2024-2025، تشير تقديرات مصادر مفتوحة إلى تراجع الاستهلاك اليومي إلى نحو 2,000-4,000 قذيفة مع استقرار خط الجبهة وترشيد استخدام المخزون. لا توجد أرقام رسمية معلنة من هيئة الأركان الأوكرانية بهذا الخصوص؛ فالأرقام المتداولة تقديرات غربية وتقارير صحافة دفاعية متخصصة، ولهذا ينبغي التعامل معها كنطاق تقريبي لا رقماً قطعياً.

إنتاج قذائف عيار 155 ملم في مصنع سكرانتون للذخيرة التابع للجيش الأمريكي
إنتاج أجسام قذائف عيار 155 ملم في مصنع سكرانتون للذخيرة التابع للجيش الأمريكي، نوفمبر 2022. المصدر: الجيش الأمريكي / DVIDS، ملكية عامة (Public Domain).

لماذا نفدت المخزونات بهذه السرعة؟

قبل عام 2022، كانت معظم دول الناتو قد خفّضت إنتاج قذائف المدفعية إلى أدنى مستوياته. فالإنتاج الأمريكي السنوي من عيار 155 ملم كان يبلغ نحو 93,000 قذيفة في مطلع 2022 فقط، وهي كمية يمكن لصراع مستمر عالي الكثافة استهلاكها خلال أسابيع لا سنوات. وكانت الحال الأوروبية مشابهة: معظم خطوط الإنتاج تعمل بوردية واحدة، وبحسب الطلب، وبطاقة محدودة. وبما أن قدرات تشكيل أجسام القذائف بالحدادة وسلاسل تزويد المتفجرات والبارود كانت قد تقلّصت على مدى ثلاثة عقود، فإن التحول إلى إنتاج حربي متواصل ومتعدد الورديات استغرق سنوات لا أشهراً.

إلى أي مدى يتخلف إنتاج زمن السلم عن استهلاك زمن الحرب؟

تكشف الأرقام حجم الفجوة بوضوح. فقد رفع الجيش الأمريكي إنتاجه من طراز M795 عيار 155 ملم من نحو 14,000 قذيفة شهرياً في 2022 إلى نحو 36,000 بحلول مارس 2026، أي أكثر من الضعف، لكنه لا يزال يمثل نحو ثلث هدف البنتاغون الأصلي البالغ 100,000 قذيفة شهرياً بحلول أكتوبر 2025. وقد حدّد تقرير للمفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية صدر في 2026 أن إنتاج القطع المعدنية للقذائف في منشأة ميسكيت بولاية تكساس هو العائق الرئيسي أمام تحقيق أرقام أعلى.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد وضع في إطار قانون دعم إنتاج الذخيرة (ASAP) هدفاً رسمياً بالوصول إلى طاقة إنتاجية أوروبية قدرها مليونا قذيفة سنوياً بحلول نهاية 2025. لكن تقارير صحافية تشير إلى أن الطاقة الفعلية المحققة كانت أقل، عند نحو 1.2-1.3 مليون قذيفة سنوياً. أما شركة راينميتال الألمانية، فقد أكدت رسمياً بلوغ إنتاج سنوي قدره نحو 700,000 قذيفة في 2025، مع هدف الوصول إلى 1.5 مليون قذيفة سنوياً بحلول 2027.

شاحنة راينميتال HX2 توزّع ذخيرة عيار 155 ملم خلال تمرين Dynamic Front 25
شاحنة راينميتال HX2 تابعة للجيش الألماني تنقل ذخيرة عيار 155 ملم خلال تمرين Dynamic Front 25، نوفمبر 2024. المصدر: الجيش الأمريكي / DVIDS، ملكية عامة.

وضع الإنتاج على الجانب الآخر من الجبهة

يبدو المشهد مختلفاً على الجانب الروسي. فبحسب التقييم السنوي لجهاز الاستخبارات الخارجية الإستوني (EFIS) الصادر في فبراير 2026، ارتفع إنتاج روسيا من الذخيرة عيار كبير — شاملاً قذائف المدفعية والهاون والصواريخ — من نحو 400,000 قطعة في 2021 إلى نحو 7 ملايين قطعة في 2025، أي بزيادة تقارب سبعة عشر ضعفاً. وتجدر الإشارة إلى أن الجزء الأكبر من هذا الحجم ليس من عيار 155 ملم؛ فالمدفعية الروسية تعتمد أساساً على عياري 152 و122 ملم، ولذا لا يصح مقارنة هذا الرقم مباشرة بإنتاج الناتو من عيار 155 ملم. ومع ذلك، فإن الرقم يعكس أن موسكو أعادت هيكلة قاعدتها الصناعية للإنتاج الحربي المستدام بوتيرة أسرع من المتوقع، مع تزويد مخزونات الجبهة والاحتياطي الاستراتيجي في آن واحد.

جدول مقارن: الاستهلاك مقابل الإنتاج

الجهةالرقمالفترةملاحظة
القوات الأوكرانية (استهلاك 155 ملم، تقديري)نحو 2,000-7,000 قذيفة/يوم بحسب المرحلة2022-2025غير مؤكد رسمياً، نطاق تقديرات غربية
الجيش الأمريكي (إنتاج M795)نحو 36,000 قذيفة/شهر فعلياًمارس 2026الهدف كان 100,000/شهر، وتأجل
الاتحاد الأوروبي (هدف ASAP)هدف مليونا قذيفة/سنة مقابل نحو 1.2-1.3 مليون فعلياًنهاية 2025هدف المفوضية الأوروبية مقابل ما أوردته الصحافة
راينميتال (ألمانيا)700,000/سنة (2025) ← هدف 1.5 مليون (2027)2025-2027تصريح رسمي من الشركة المصنّعة
روسيا (إجمالي الذخيرة عيار كبير)نحو 7 ملايين/سنة (زيادة 17 ضعفاً منذ 2021)2025يشمل عياري 152/122 ملم، وليس 155 ملم فقط

ملاحظة: الطلبيات والطاقة الإنتاجية والتسليم الفعلي ثلاثة مفاهيم مختلفة جُمعت من مصادر ومنهجيات متفاوتة، ولا ينبغي جمعها أو مقارنتها بشكل مباشر.

سدّ الفجوة: مصانع جديدة وموردون بديلون

يعمل الجيش الأمريكي على تحديث منشآته في آيوا وكانساس وأركنساس بهدف الوصول إلى تعبئة وتغليف 140,000 قذيفة عيار 155 ملم شهرياً بحلول نهاية 2027. وفي أوروبا، يترافق توسّع راينميتال في ألمانيا وليتوانيا وجنوب أفريقيا مع مشروع مجموعة PGZ البولندية المملوكة للدولة، التي حصلت على تمويل لإضافة نحو 150,000 قذيفة سنوياً بحلول 2027. ومع احتساب الإنتاج البريطاني والأوكراني، يُتوقع أن تقترب الطاقة الإنتاجية الأوروبية-الأوكرانية المجمّعة من عيار 155 ملم من 2.8-3 ملايين قذيفة سنوياً بحلول 2026.

هذا العجز المستمر دفع أيضاً بعض الجهات الأوروبية والشرق أوسطية المشترية نحو موردين بديلين قادرين على التسليم بوتيرة أسرع خارج دائرة كبار المصنّعين التقليديين. وفي هذا السياق، برز اهتمام متزايد بمنتجين مثل شركة “مكينة وكيمياء” (MKE) التركية الحكومية، التي وسّعت إنتاجها من عيار 155 ملم وعروضها التصديرية خلال الفترة نفسها، وهو ما يجعلها خياراً يُدرَس بجدية من قبل جهات تسعى لتنويع مصادر التوريد وتقليص فترات الانتظار الطويلة التي تواجهها العقود مع المصنّعين الغربيين الكبار.

الخلاصة

بعد ثلاث سنوات من محاولات رفع الإنتاج، يبقى النمط ثابتاً: القتال المدفعي المستدام عالي الكثافة يستهلك الذخيرة بمعدل يفوق أضعافاً ما صُمّمت له القاعدة الصناعية في زمن السلم، وإعادة بناء قدرات الحدادة وسلاسل تزويد البارود والكوادر الفنية المدرَّبة تستغرق سنوات لا فصولاً. وما زالت واشنطن وبروكسل خلف أهدافهما المعلنة رغم نمو الإنتاج المطلق عدة أضعاف، وهذا بالضبط ما يفسر بقاء مخزونات الحلفاء تحت الضغط، واستمرار تنامي دور الموردين البديلين والحلفاء الإقليميين.

الأسئلة الشائعة

كم قذيفة عيار 155 ملم تستهلك أوكرانيا يومياً؟
لا توجد أرقام رسمية مؤكدة. تشير التقديرات الغربية إلى استهلاك يومي يتراوح بين نحو 2,000 و7,000 قذيفة بحسب حدّة القتال، مع ارتباط الحد الأعلى بفترة 2022-2023 والحد الأدنى بفترة 2024-2025.

هل حققت الولايات المتحدة هدفها في إنتاج قذائف 155 ملم؟
لا. لم يتحقق الهدف الأصلي البالغ 100,000 قذيفة شهرياً بحلول أكتوبر 2025؛ وبلغ الإنتاج الفعلي نحو 36,000 قذيفة شهرياً حتى مارس 2026، وتم تأجيل الهدف إلى منتصف 2026 وما بعده.

هل بلغ الاتحاد الأوروبي هدف المليوني قذيفة؟
وضع برنامج ASAP الأوروبي هدفاً ببلوغ طاقة إنتاجية أوروبية قدرها مليونا قذيفة سنوياً بحلول نهاية 2025. وبحسب تقارير صحافية، جاءت الطاقة الفعلية أقل من ذلك، عند نحو 1.2-1.3 مليون قذيفة.

هل يمكن مقارنة إنتاج الذخيرة الروسي بأرقام الناتو من عيار 155 ملم؟
ليس بشكل مباشر. تعتمد المدفعية الروسية أساساً على عياري 152 و122 ملم، لذا لا يصح مقارنة إجمالي إنتاجها من الذخيرة عيار كبير مباشرة بإنتاج الناتو من عيار 155 ملم.

كيف تتم معالجة هذا العجز؟
عبر مصانع أمريكية جديدة ومحدَّثة (آيوا، كانساس، أركنساس)، وتوسّع خطوط الإنتاج الأوروبية بقيادة راينميتال ومجموعة PGZ البولندية، إضافة إلى اهتمام متنامٍ بموردين بديلين مثل شركة MKE التركية.

المصادر

  • The Defense Post, “Ukraine Using More Munitions Than NATO Producing: Stoltenberg”، فبراير 2023 — thedefensepost.com
  • Defense News, “Manufacturing woes hamper US 155-mm ammo production”، يوليو 2026 — defensenews.com
  • National Defense Magazine, “Army Falls Short of 155mm Production Goal”، أغسطس 2025 — nationaldefensemagazine.org
  • المفوضية الأوروبية، قانون دعم إنتاج الذخيرة (ASAP) — ec.europa.eu
  • راينميتال، بيان صحافي رسمي، يوليو 2025 — rheinmetall.com
  • Euromaidan Press، نقلاً عن جهاز الاستخبارات الخارجية الإستوني (EFIS)، فبراير 2026 — euromaidanpress.com

تاريخ التحديث: 9 سبتمبر 2026

Bir Yorum Yazın

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Benzer Yazılar