أنظمة الحرب المدعومة بالذكاء الاصطناعي: إلى أين يتجه العالم؟ خريطة التنافس العالمي 2025-2030

أولاً: الفجوة التي لا تُقاس بالأرقام الرسمية — التنافس الأمريكي الصيني
حين يتحدث المحللون عن سباق التسلح في الذكاء الاصطناعي، كثيراً ما تُطرح الأرقام الرسمية كمقياس. غير أن هذه الأرقام لا تعكس الصورة الكاملة. فبحسب كتاب السنوي الصادر عن SIPRI عام 2025، بلغ الإنفاق الدفاعي الأمريكي 997 مليار دولار في عام 2024 — رقمٌ يُمثّل نحو 37% من مجمل الإنفاق العسكري العالمي. في المقابل، أعلنت الصين رسمياً عن ميزانية دفاعية قدرها 314 مليار دولار، بيد أن التقديرات المستقلة ترفع هذا الرقم إلى ما بين 330 و450 مليار دولار حين تُحتسب النفقات المموّهة والبرامج المدنية-العسكرية مزدوجة الاستخدام.
تبنّى جيش التحرير الشعبي الصيني نموذجاً تطورياً ثلاثي المراحل: المَيكنة (Mechanization) والمعلوماتية (Informatization) والتذكّي (Intelligentization). هذا النموذج ليس مجرد وثيقة تخطيطية داخلية؛ فقد كشف عنه جاكوب ستوكس من مركز CNAS في شهادته أمام الكونغرس الأمريكي (USCC) عام 2024، مؤكداً أن جيش التحرير الشعبي يُعيد هيكلة قيادته ومؤسساته البحثية والصناعية بما يخدم هذا التحوّل الاستراتيجي الكبير.
ثانياً: سبعة محاور — تشريح الاستثمار الصيني في الذكاء الاصطناعي العسكري
رصد مركز CSET في تقريره “Harnessed Lightning” ما يزيد على 343 عقداً لجيش التحرير الشعبي في مجال الذكاء الاصطناعي، كاشفاً عن سبعة محاور استثمارية رئيسية:
| المحور | التطبيقات الرئيسية | مستوى النضج |
|---|---|---|
| المركبات المستقلة | طائرات مسيّرة، مركبات برية، غواصات بلا طيار | مرتفع — منتشرة عملياً |
| الاستخبارات والمراقبة (ISR) | تحليل صور الأقمار الاصطناعية، رصد التحركات | مرتفع — مُدمج في العمليات |
| الصيانة التنبؤية | تقليل أعطال المعدات، تحسين الجاهزية القتالية | متوسط — قيد التوسع |
| الحرب المعلوماتية والإلكترونية | التضليل الإعلامي، تشويش الإشارات | مرتفع — مُوظَّف استراتيجياً |
| المحاكاة والتدريب | بيئات قتالية افتراضية، تدريب آلي | متوسط — في طور التطوير |
| القيادة والسيطرة (C2) | دعم القرار الآني، توزيع المهام تلقائياً | متوسط إلى مرتفع |
| التعرف الآلي على الأهداف (ATR) | تحديد الأهداف بدون تدخل بشري | قيد الاختبار — إشكاليات أخلاقية |
لعلّ أبرز ما يكشفه هذا الرصد هو أن الصين لا تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري بوصفه تقنية مستقبلية، بل باعتباره ركيزة راهنة. وخير شاهد على ذلك صعودها لتصبح أكبر مُصدِّر عالمي للطائرات المسيّرة القتالية، إذ وثّق SIPRI أكثر من 200 طائرة مسيّرة مُسلَّحة زوّدت بها الصين 17 دولة بين 2013 و2023. أما طائرة FH-97A “الرفيق الوفي” (Loyal Wingman)، فتُمثّل الجيل القادم: مسيّرة ذكية تعمل جنباً إلى جنب مع مقاتلات مأهولة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ثالثاً: الرد الأمريكي — مشروع Replicator وما بعده
حين أعلنت نائبة وزير الدفاع الأمريكي كاثلين هيكس عن مشروع Replicator في أغسطس 2023، كانت الرسالة واضحة: واشنطن تعترف بأن التفوّق النوعي التقليدي قد لا يكفي في مواجهة الكتلة العددية الصينية. المشروع — المعروف رسمياً بـADA2 (All-Domain Attritable Autonomy) — يستهدف نشر آلاف المنظومات المستقلة الرخيصة القابلة للاستهلاك عبر كافة الميادين لموازنة التفوّق العددي الصيني المحتمل.
بيد أن تقرير مكتبة الكونغرس (CRS) IF12611 كشف في أواخر عام 2025 أن المشروع انتقل إلى إطار إداري جديد يُعرف بـ DAWG (Defense Autonomous Working Group)، مما يُشير إلى إعادة هيكلة في الأولويات وإن ظلّت الغاية الاستراتيجية ذاتها. هذا التحوّل يعكس حقيقة أعمق: الولايات المتحدة باتت تُدرك أن سباق التسلح في الذكاء الاصطناعي لا يُمكن خوضه بالعقليات البيروقراطية التقليدية.
رابعاً: أوروبا والناتو — الاستراتيجية التي تأخّرت
في العاشر من يوليو 2024، أجازت دول الناتو استراتيجيةً معدَّلة للذكاء الاصطناعي تقوم على أربعة أهداف محورية، وفق ما وثّقه مكتب أبحاث البرلمان الأوروبي (EPRS) في يناير 2025: تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي، وضمان الثقة والمسؤولية، وتطوير المعايير المشتركة بين الحلفاء، والحفاظ على التفوّق التكنولوجي في مواجهة الخصوم.
| القوة / التكتل | الإنفاق الدفاعي 2024 | الأولوية في الذكاء الاصطناعي | الهدف الزمني |
|---|---|---|---|
| الولايات المتحدة | 997 مليار دولار | Replicator/ADA2 — كتلة مستقلة موزعة | 2025-2027 |
| الصين | 314-450 مليار دولار* | التذكّي الشامل — ثلاثي المراحل | 2027 / 2035 / 2049 |
| حلف الناتو | ~1.4 تريليون دولار | استراتيجية الذكاء الاصطناعي المُعدَّلة 2024 | 2030 |
| تركيا | ~40 مليار دولار | KARGU / ALPAGU / GÜERZ | 2025 مُنجز جزئياً |
خامساً: تركيا — القوة الصاعدة في الذكاء الاصطناعي العسكري
في خضمّ هذا التنافس الكوني، تُقدّم تركيا نموذجاً يستحق التحليل المعمّق. فهي ليست قوة عظمى بالمقاييس التقليدية، غير أنها حققت في قطاع المنظومات المستقلة المسلحة تقدماً يفوق ما أنجزته دول كثيرة تملك موازنات دفاعية أضخم.
صُنِّف نظام KARGU الذي طوّرته شركة STM نقطة تحوّل في تاريخ أنظمة الأسلحة المستقلة. فلأول مرة في التاريخ العسكري الموثّق — وفق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة رقم S/2021/229 المعني بليبيا — جرى توظيف نظام مسيّرة مستقل قادر على تحديد الأهداف والتعامل معها دون تدخل بشري مباشر في سياق نزاع مسلح حقيقي. وقد صدّرت تركيا KARGU إلى ثلاث قارات بما فيها دولة عضو في الناتو الأوروبية وفقاً لتقرير Army Recognition في أبريل 2026.
في أكتوبر 2025، أعلنت القوات المسلحة التركية رسمياً عن قبول نظام ALPAGU ضمن منظومتها التسليحية، وهو الجيل التالي من مسيّرات الانقضاض الذكية. وكشفت ASELSAN عن منظومة GÜERZ للدفاع الجوي الذاتي في معرض IDEF 2025، لتُكمل ثالوثاً دفاعياً ذكياً تبنيه تركيا بخطى متسارعة.
| المنظومة | المُصنِّع | مستوى الاستقلالية | الحالة التشغيلية | التصدير |
|---|---|---|---|---|
| KARGU-2 | STM التركية | مستقل كامل | مُشغَّل ميدانياً — ثلاث قارات | 10+ دول + ناتو |
| ALPAGU | STM التركية | مستقل — انقضاضي | مقبول في TSK أكتوبر 2025 | قيد التفاوض |
| GÜERZ | ASELSAN | دفاع جوي ذاتي | كُشف عنه IDEF 2025 | مرحلة التسويق |
سادساً: المعضلة الأخلاقية والحوكمة الدولية
منذ عام 2014، تجتمع الدول تحت مظلة مجموعة الخبراء الحكوميين التابعة لاتفاقية الأسلحة التقليدية (CCW GGE) للتباحث في تنظيم الأنظمة القاتلة المستقلة. غير أن أكثر من عقد من النقاشات لم ينتج عنه سوى توافق محدود على مبادئ عامة. وتنتهي ولاية المجموعة عام 2026، مما يجعل المؤتمر السابع لمراجعة اتفاقية الأسلحة التقليدية في نوفمبر 2026 محطةً فارقة.
في أغسطس 2025، نشر SIPRI ورقة بحثية تتناول ظاهرة التحيّز الخوارزمي في المنظومات العسكرية، مُسلِّطةً الضوء على أن نماذج الذكاء الاصطناعي المُدرَّبة على بيانات تاريخية مُتحيّزة قد تُنتج قرارات قتالية تميّز بصورة ممنهجة ضد فئات بشرية بعينها — ظاهرة موثّقة في التطبيقات المدنية تكتسب بُعداً كارثياً حين تُطبَّق في سياقات الحياة والموت.
سابعاً: خارطة الطريق 2025-2030
- 2025 (الراهن): تنتشر مسيّرات ALPAGU في الخدمة التركية؛ مشروع Replicator ينتقل إلى إطار DAWG؛ الناتو يُطلق أول تمارين قتالية تعتمد الذكاء الاصطناعي.
- 2026: مؤتمر مراجعة CCW السابع — إما اتفاق تاريخي أو تكريس الفراغ القانوني القائم؛ انتهاء ولاية GGE.
- 2027: الصين تستهدف إتمام مرحلة المعلوماتية وبدء مرحلة التذكّي الشامل؛ اختبارات معارك متعددة المسيّرات بتكتيكات السرب.
- 2028-2029: تسارع تكامل الذكاء الاصطناعي مع منظومات القيادة والسيطرة الاستراتيجية؛ أول أزمة دبلوماسية مرتبطة بقرار آلي في ميدان القتال.
- 2030: تحوّل نوعي — الدول التي لا تمتلك منظومات مستقلة فعّالة ستجد نفسها في فجوة استراتيجية؛ سوق الذكاء الاصطناعي الدفاعي يتخطى 50 مليار دولار سنوياً.
خاتمة: السؤال الذي لم يُجَب عليه
يبقى السؤال الجوهري معلّقاً فوق كل هذه التطورات: هل يُمكن للإنسانية أن تُسخّر ذكاءً اصطناعياً أقوى منها لتحقيق أمنها دون أن تتنازل عن سيطرتها على قرار الحياة والموت؟ هذا ليس سؤالاً تقنياً يُجيب عنه المهندسون، ولا سؤالاً استراتيجياً يُحسمه العسكريون. إنه في جوهره سؤال فلسفي وأخلاقي وسياسي — وهو سؤال لا تزال أجوبة القرن الحادي والعشرين عنه في طور التشكّل.
المصادر والمراجع
- SIPRI Yearbook 2025 — معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام
- SIPRI، “التحيّز الخوارزمي في أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية” — أغسطس 2025
- Jacob Stokes, CNAS — شهادة أمام لجنة USCC، الكونغرس الأمريكي، 2024
- CSET، “Harnessed Lightning: كيف يتبنّى الجيش الصيني الذكاء الاصطناعي”
- CRS Report IF12611 — مكتبة الكونغرس الأمريكي، Replicator/DAWG، 2025
- EPRS، تحليل استراتيجية الناتو للذكاء الاصطناعي، يناير 2025
- تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة S/2021/229 — ليبيا، KARGU-2
- STM، قبول نظام ALPAGU في TSK، أكتوبر 2025
- ASELSAN، معرض IDEF 2025 — GÜERZ
