من «توغ» إلى المسيّرات المسلحة: 20 محطة فارقة في الصناعات الدفاعية التركية

من «توغ» إلى المسيّرات المسلحة: 20 محطة فارقة في الصناعات الدفاعية التركية
عرض ملخّص المقال

تحوّلت تركيا، التي هزّها حظر الأسلحة الأمريكي في أعقاب عملية قبرص عام 1974، إلى واحدة من أسرع الدول المصدّرة للأسلحة نمواً في العالم. ولم يكن هذا التحول ثمرة قرار واحد، بل سلسلة من المحطات الفاصلة امتدت على مدى نصف قرن. نستعرض فيما يلي أهم عشرين محطة: لماذا اتُّخذت هذه القرارات، وماذا غيّرت، وماذا تعد به.

1. 1974: حظر قبرص وقرار الإنتاج المحلي

بعد التدخل العسكري التركي في قبرص في 20 يوليو 1974، فرض الكونغرس الأمريكي حظراً على الأسلحة استمر بين عامي 1975 و1978، فلم تعد تركيا قادرة على الحصول على قطع الغيار والمعدات الجديدة لأنظمتها الحيوية. واستخلصت أنقرة درساً رسم مسار العقود الخمسة التالية: الاعتماد على الخارج في الدفاع مسألة سيادة وطنية، ومن رحم تلك الصدمة وُلدت المؤسسات الكبرى في القطاع.

2. مؤسسة MKEK: حجر الأساس للذخيرة الوطنية

شكّلت مؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية (MKEK)، التي تأسست بهذا الاسم عام 1950، المدرسة الأولى للمهندسين الأتراك في صناعة القنابل والقذائف والطلقات والمتفجرات، وجاءت انطلاقتها الكبرى في أجواء الحظر. فشراء الذخيرة من الغير يعني ربط الحرب بإذن الآخرين، ولا تزال المؤسسة اليوم ركيزة خفية لكنها لا غنى عنها لاستقلالية تركيا، من الأسلحة الخفيفة حتى ذخائر الدبابات عيار 120 ملم.

3. تأسيس أسلسان (1975): بداية الهيمنة الإلكترونية

كشف الحظر أن الجيش عاجز حتى عن إصلاح أجهزة اللاسلكي وأنظمة الاتصالات المشفرة، فتأسست «أسلسان» عام 1975 تحت مظلة وقف القوات المسلحة التركية لإنتاج أجهزة اللاسلكي العسكرية. ثم توسعت تدريجياً إلى الرادارات والحرب الإلكترونية والقيادة والسيطرة والمستشعرات بالأشعة تحت الحمراء وإلكترونيات الأنظمة غير المأهولة، وباتت اليوم تساهم بمكونات في جميع المنصات التركية تقريباً.

4. تأسيس روكيتسان (1988): فتح طريق الصواريخ

الدفع والتوجيه والرؤوس الحربية والبرمجيات: كل مجال منها يتطلب تخصصاً قائماً بذاته. جسّدت «روكيتسان»، التي تأسست عام 1988، إرادة تركيا في امتلاك تقنيات الصواريخ وفق نموذج يلخّص استراتيجية الصناعة كلها: الترخيص أولاً، ثم الاستيعاب، ثم التطوير الذاتي. ومن منتجاتها «جيريت» و«أومتاش» و«صوم» و«حصار» و«أطمجة».

5. تحديث دبابات M60: خبرة في المدرعات

زوّد برنامج M60T «سابرا»، الذي نُفّذ بالشراكة مع شركة IMI الإسرائيلية، دبابات M60 القديمة بنظام جديد للتحكم في النيران وكاميرا حرارية ودروع تفاعلية وتحسينات في منظومة القوة. وكان التحديث بدلاً من الشراء خياراً اقتصادياً منح المهندسين الأتراك خبرة استُثمرت لاحقاً في تصميم دبابة «ألتاي».

6. الإنتاج المرخّص لمقاتلات F-16: الخطوة الأولى نحو تكنولوجيا النفاثات

عبر البرنامج المعروف باسم «Peace Onyx»، وصلت تركيا لأول مرة بشكل مباشر إلى تكنولوجيا المقاتلات النفاثة، وجرى إنتاج 232 مقاتلة F-16 على خط التجميع في «توساش» (TAI حالياً). غير أن القيمة الحقيقية كانت في نقل المعرفة: دمج المحركات وإلكترونيات الطيران وإجراءات الاختبار نُفّذت بأيدٍ تركية.

7. تأسيس TAI (1984): أساس صناعة الطيران

لم تُصمَّم شركة صناعات الطيران والفضاء التركية منذ البداية لتكون مجرد مصنع تجميع؛ ففي مرافقها جرى إنتاج طائرة النقل CN-235 ودمج المروحية T129 «أتاك» وتطوير المسيّرة «أنكا»، وصولاً إلى تصميم المقاتلة «قآن». وأكبر إسهاماتها أنها خلقت ثقافة هندسة طيران في تركيا، إذ تخرّج كثير من مهندسي «قآن» من برنامجي «أنكا» و«أتاك».

8. برنامج دبابة «ألتاي»: دبابة قتال رئيسية وطنية

انطلق البرنامج بدعم تقني من شركة «هيونداي روتيم» الكورية الجنوبية، وتطلّب امتلاك علم معادن الدروع والحماية الباليستية ودمج المحرك وناقل الحركة وأنظمة التحكم في النيران. فقد ظلت تركيا عقوداً تشتري دبابات M60 و«ليوبارد 2» وتحتاج إذناً خارجياً لكل قطعة غيار. وعانى البرنامج تأخيرات مرتبطة بمنظومة القوة، لكن الخبرة المكتسبة انتقلت إلى منصات برية أخرى مثل دبابة «كابلان MT» المطوّرة مع إندونيسيا.

9. 2017: إعادة هيكلة رئاسة الصناعات الدفاعية

تحوّلت مستشارية الصناعات الدفاعية (SSM) إلى رئاسة الصناعات الدفاعية (SSB). ولم يكن ذلك إجراءً إدارياً فحسب، بل انتقالاً من جهة تنسّق المشتريات إلى محرك للسياسات التكنولوجية يموّل البحث والتطوير ويتابع نسبة المكوّن المحلي في كل مشروع، وتضم محفظته «قآن» و«ميلغم» و«حصار» و«ألتاي» و«أتاك». ووفق البيانات الرسمية، ارتفعت نسبة التوطين من نحو 20% عام 2002 إلى قرابة 80% اليوم.

10. مروحية T129 «أتاك» (2014): من الترخيص إلى التوطين

دخلت المروحية المشتقة من AW129 «مانغوستا» الخدمة عام 2014 بنسبة عالية من الإلكترونيات التركية: حاضنة الاستهداف ASELFLIR من «أسلسان»، وقمرة قيادة محلية، وصواريخ «جيريت» و«أومتاش» من «روكيتسان». وقد أدّت صعوبات الحصول على تراخيص تصدير المحرك الأمريكي المنشأ إلى تعثّر صفقات مثل صفقة باكستان، مذكّرةً بنقطة ضعف تركيا في مجال المحركات.

11. «بيرقدار TB2»: المسيّرة التي غيّرت العالم

قلبت المسيّرة المسلحة التي طوّرتها «بايكار» بقيادة سلجوق بيرقدار سوق الطائرات متوسطة الارتفاع طويلة التحمل (MALE). وأعاد أداؤها في ليبيا وقره باغ وأوكرانيا تشكيل النقاش الاستراتيجي، بسعر أقل بكثير من نظيراتها الغربية. ويُنظر إليها في تركيا على أنها الرد على رفض الغرب بيعها مسيّرات مسلحة مطلع الألفية، وقد أصبحت رمزاً عالمياً للعلامة الدفاعية التركية.

12. مشروع «ميلغم»: تركيا تبني سفنها الحربية

سُلّمت أولى سفن البرنامج، الكورفيت TCG «هيبلي أدا»، عام 2011. وبمساهمة أكاديميين من جامعة إسطنبول التقنية، أنشأ البرنامج منظومة متكاملة لتصميم السفن وبنائها تعتمد نظام إدارة القتال GENESIS من «أسلسان» ومستشعرات محلية. ومنه انبثقت كورفيتات فئة «أدا» وفرقاطات فئة «إسطنبول»، فيما تعاقدت باكستان وأوكرانيا على نسخه التصديرية.

13. منظومة «حصار»: دفاع جوي وطني

اعتمدت تركيا سنوات طويلة على أنظمة حلف الناتو، وكانت كل محاولة شراء تتحول إلى مساومة سياسية. وجاءت عائلة «حصار» التي طوّرتها «أسلسان» و«روكيتسان» لتغيير هذه المعادلة بطبقتين قصيرة ومتوسطة المدى (HİSAR-A وHİSAR-O). وقد أظهرت أزمة صواريخ S-400 (2017-2019) أن امتلاك منظومة محلية هو المخرج الحقيقي من الضغوط الجيوسياسية.

14. «كيربي» و«كوبرا»: المدرعات التركية المقاومة للألغام تغزو العالم

تسببت العبوات الناسفة والألغام في جزء كبير من الخسائر خلال عمليات مكافحة الإرهاب. فجُرّبت مدرعة «كيربي» من BMC بهيكلها على شكل حرف V ودروعها المعيارية، ومدرعة «كوبرا» الأخف والمتعددة المهام من «أوتوكار»، في عمليات حقيقية، ثم أصبحتا قصتي نجاح تصديريتين، خصوصاً في الخليج وآسيا الوسطى وأفريقيا.

15. صاروخ «أطمجة»: قوة الضرب البحري

طوّرت «روكيتسان» صاروخ «أطمجة» المضاد للسفن ليحلّ محل صاروخ «هاربون» الأمريكي، بمدى يتجاوز 200 كيلومتر ورأس توجيه راداري نشط وطيران ملامس لسطح البحر. واجتاز اختباراته العملياتية عام 2021 ويُدمج في سفن «ميلغم». وعندما تبيع تركيا سفينة، يمكنها أن تبيع صاروخها أيضاً، فتكتمل سلسلة القيمة.

16. صاروخا «صوم» و«تشاكر»: دقة بعيدة المدى

«صوم» صاروخ جوال يُطلق من مقاتلات F-16 بمدى يزيد على 250 كيلومتراً وبصمة رادارية منخفضة، وقد صُمّمت نسخته SOM-J لتلائم حجرة الأسلحة الداخلية في F-35. أما «تشاكر» الأصغر حجماً فيمكن إطلاقه من الطائرات المأهولة والمسيّرات، ويمنح دمجه في «أكنجي» قدرة الصاروخ الجوال لمنصة غير مأهولة.

17. «بيرقدار أكنجي»: عصر المسيّرات الثقيلة

سُلّمت «أكنجي» إلى القوات المسلحة التركية عام 2021، وتستطيع حمل نحو 1350 كيلوغراماً من الحمولة. وتشمل تسليحها صواريخ «تشاكر» الجوالة و«صوم-B» والذخائر الذكية من عائلة MAM وأطقم التوجيه بالليزر «تيبر»، ما يمنحها قدرة ضرب استراتيجية منخفضة الكلفة، ويرمز إلى دخول تركيا فئة المسيّرات الاستراتيجية.

18. المقاتلة «قآن»: حلم الجيل الخامس يتحقق

نفّذت مقاتلة «قآن» من «توساش» أول رحلة لها في 21 فبراير 2024 في أنقرة. وهي مقاتلة ثنائية المحرك بذيل مزدوج وحجرة أسلحة داخلية وتصميم منخفض البصمة الرادارية، وتطير حالياً بمحركات F110 الأمريكية ريثما يتقدم برنامج المحرك الوطني. وقد تسارع تطويرها بعد إخراج تركيا من برنامج F-35 عام 2019 على خلفية شراء منظومة S-400.

19. الصادرات 2020-2024: قفزة تاريخية

السنةصادرات الدفاع والطيران (تقريباً)
2002≈ 250 مليون دولار
2020≈ 2.3 مليار دولار
2021≈ 3.2 مليار دولار
2022≈ 4.4 مليار دولار
2023≈ 5.5 مليار دولار
2024≈ 7.1 مليار دولار

التصدير عنصر حاسم لاستدامة القطاع: فالإنتاج بكميات كبيرة يخفّض كلفة الوحدة، وعائدات التصدير تموّل بحوثاً جديدة، وقاعدة المستخدمين الواسعة توفر خبرة تشغيلية حقيقية. وتسوّق تركيا منصاتها باعتبارها «مجرّبة في القتال»، وكان سجل «TB2» أقوى حججها التسويقية.

20. أفق 2035: الاستقلال الكامل

تتمثل أهداف عام 2035 في الحفاظ على نسبة توطين تتجاوز 80%، ومضاعفة الصادرات، وسدّ الثغرات الحرجة في المحركات والمواد المتقدمة. ويبقى المحرك التحدي الأصعب؛ فالدولة قد تصمم طائرة، لكنها إن اشترت محركها من الخارج تظل تابعة في وقت الأزمات. واستراتيجية 2035 أقرب إلى إعلان جيوسياسي منها إلى إسقاط تقني: بناء قدرة دفاعية مستقلة دون القطيعة مع حلفاء الناتو أو سلاسل التوريد الغربية.

خمس خلاصات

  • أثبت حظر 1974 أن كل أزمة قد تكون فرصة؛ فالإقصاء والضغط كانا أقوى محفّز للصناعة التركية.
  • الإنتاج المرخّص كان وسيلة لا غاية: مهّدت F-16 الطريق إلى «قآن»، و«أتاك» إلى الإلكترونيات الوطنية.
  • البنية المؤسسية لا تقل أهمية عن النجاح التقني: «أسلسان» و«TAI» و«روكيتسان» ورئاسة الصناعات الدفاعية أُنشئت لسدّ فجوات استراتيجية.
  • الخبرة القتالية هي أقوى أدوات التصدير.
  • الاستقلال الكامل لم يتحقق بعد، والمحرك لا يزال الفجوة الكبرى.

المصادر

  • إنفانتر ميديا: «TOGG’dan SİHA’ya Savunma Sanayii’nin 20 Mihenk Taşı» (المقال الأصلي بالتركية)
  • رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) — ssb.gov.tr، صفحات المشاريع والتقارير السنوية
  • قاعدة بيانات نقل الأسلحة لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)
  • توساش (TAI)، أسلسان، روكيتسان، بايكار، أوتوكار وBMC — البيانات والوثائق الرسمية للشركات
  • Jane’s Defence Weekly وDefense News — أرشيف الصناعة الدفاعية التركية

Bir Yorum Yazın

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Benzer Yazılar